ابن عربي
18
فصوص الحكم
عربي صريح في هذا كل الصراحة حيث يقول : « فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق وشهود ، لأنه لا قَدم للحادث في ذلك » ( الفصل الأول ) . ( 13 ) « فالكل مفتقر ما الكل مستغني » إلى آخر الأبيات : المراد بالكل الحق والخلق أو الله والعالم . والكل في نظره مفتقر لأن الحق والخلق وجهان لحقيقة واحدة مفتقر كل واحد من وجهيها إلى الآخر . أما افتقار الخلق إلى الحق فظاهر إذ قد بينا أن الخلق ليس إلا الصورة والمظهر الخارجي للحق : فبالحق وجوده ومن الحق يستمد ذلك الوجود على الدوام . ولولا أن الحق سبحانه قد طبع صورته على صفحة العالم ، أو كما يقول المؤلف « لولا سريان الحق في الموجودات بالصورة » ، ما كان للعالم وجود . وقد ذكرنا أيضاً أن العالم من ناحية أخرى ليس إلا الصفات والأسماء الإلهية التي وصف الحق بها نفسه ووصفناه نحن بها . فليس للعالم وجود ، بل ليس له معنى إلا بالإضافة إلى الحق . أما افتقار الحق إلى الخلق - ويقصد ابن عربي بالحق الله لا الذات الإلهية المجردة عن كل وصف وكل نسبة ( وهي التي ترادف في فلسفة أفلوطين « الواحد » ) - فراجع إلى أن للحق من الأسماء والصفات ما لا يتحقق إلا عن طريق العالم الذي هو مظهرها . ولولا هذا المظهر الأسمائي والصفاتي لظل الحق ذلك « الكنز المخفي » الذي أشار إليه الحديث القدسي الذي أَسلفنا ذكره . فالافتقار من الخلق إلى الحق ومن الحق إلى الخلق في نظر ابن عربي حقيقة لا كناية فيها . ولكنه يصف الحق أحياناً بأنه الغني على الإطلاق ، وبهذا يقصد الذات الإلهية العارية عن الصفات والأسماء ، وهذا ما أشار إليه البيت الثاني . ( 14 ) « فقوله « اتقوا ربكم » : اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم . . . أدباء عالمين . مهما يكن التفسير الذي نأخذ به في شرح هذه العبارة ، فإن كلمتي « اتقوا » و « ربكم » ليستا مستعملتين في معنييهما للعاديين . « اتقوا » مأخوذة من الوقاية