ابن عربي

141

فصوص الحكم

هو المولى أو الإنسان الكامل الذي تحققت فيه كل صفات الوجود فكان مظهراً تاماً وكوناً جامعاً لها . والقلب من رحمة الله لأنه شيء من الأشياء التي وسعتها الرحمة الإلهية في قوله تعالى : « ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » ، أي هو شيء من الأشياء التي منحها الله الوجود نعمة منه وفضلًا ، إذ جرينا على تفسير الرحمة الإلهية في هذا الكتاب بمعنى إسباغ الله الوجود على الأشياء . ورحمة الله التي وسعت كل شيء في الوجود - أي في الوجود المخلوق أو في عالم الوجود الإضافي - لا تسع الحق تعالى لأن وجوده لا يوصف بأنه ممنوح أو معطى ، بل هو له من ذاته وواجب له لذاته . ولكن قلب العارف يسع الحق بدليل قوله تعالى : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » . ولهذا كان القلب أوسع من الرحمة . بأي معنى إذن وعلى أي وجه وسع قلب العارف الحقَّ جل جلاله ؟ هذه مسألة ظهر فيها اختلاف بين الصوفية لاختلاف مشاربهم ومذاهبهم . أما أهل السنة منهم فيذهبون إلى أن قلب المؤمن الصادق في إيمانه لا يتسع لشيء من الأشياء مع الحق لأنه مشغول به عمن سواه . فهو لا يفكر إلا في الحق ولا يرى شيئاً سوى الحق ولا يخطر به خاطر إلا كان متصلًا بالحق . فني عن نفسه وعن كل ما سوى الحق وبقي بالحق وحده . وهذا رأي عامة الناس وطريقتهم في فهم احتواء القلب للحق . وأما الخاصة - والمقصود بهم دائماً صوفية وحدة الوجود - فيفهمون احتواء قلب العارف على الحق بأحد الوجهين الآتيين : الأول : أن قلب العارف يشاهد الحق في كل مجلى ويراه في كل شيء ويعبده في كل صورة من صور المعتقدات . فهو هيولي الاعتقاد كلها كما أشار إليه من قبل . فهو يحتوي الحق بمعنى أنه مجتمع صور الاعتقادات في الحق . والمراد بالحق هنا « الحق المخلوق في الاعتقاد » لا الحق من حيث هو في ذاته . وفي هذا المعنى قال ابن عربي :