ابن عربي

119

فصوص الحكم

الفص العاشر ( 1 ) « أحديَّة الصراط المستقيم » . شرحنا من قبل في مناسبات عدة بعض نواحي « الأحدية » : فتكلمنا عن أحدية الذات الإلهية المنزهة عن الوصف المجردة عن جميع النسب والإضافات ، التي لا يرقى إليها عقل ولا يحيط بها علم . وتكلمنا عن أحدية الأسماء الإلهية التي وصفناها بأنها أحدية الكثرة من حيث إن الأسماء الإلهية دلالات مختلفة على ذات واحدة ، ومجالٍ متعددة في عين واحدة هي عين الحق . ولنا أن نسمي هذه الأحدية أيضاً أحدية الاثنينية لأنها مقام الجمع بين الحق والخلق : الله والعالم أو الذات الإلهية والأسماء . وهنا نجد نوعاً ثالثاً من الأحدية يتحدث عنه ابن عربي وهو أحدية الأفعال التي يشير إليها في فاتحة هذا الفص باسم الصراط المستقيم وفي فاتحة الكتاب ( الفصوص ) باسم الطريق الأمم . ومعنى الصراط المستقيم - أو الطريق الأمم - الطريق الذي يسير فيه الكون بأسره وتلتقي عنده جميع الطرق مهما تشعبت واختلفت وافترقت . وهو الطريق الذي خطته يد القدر من الأزل : لا يعتريه تغيير ولا تبديل ، ولا يحيد عنه موجود أياً كان . ولنا أن ننظر إليه من نواح متعددة : فمن ناحية أفعال العباد - بل أفعال الكائنات كلها - هو طريق الجبرية التي يخضع لها كل كائن فيما يصدر عنه من الأفعال والآثار ، فإن جميع ما يظهر في الوجود إنما يخضع لطبيعة الوجود ذاتها . وهذا معنى أحدية الأفعال لأن الأفعال تظهر بمقتضى قوانين الوجود الحتمية التي هي قوانين الحق . وهذا الطريق الجبري نفسه هو الطريق الذي يسير فيه العالم كله في نظامه