ابن عربي
10
فصوص الحكم
الدقيق ، وأن الفيوضات التي يتكلم عنها ابن عربي ليست إلا تجليات لحقيقة واحدة في صور مختلفة أو بطرق مختلفة ، في حين أنها في فلسفة أفلاطون سلسلة من الموجودات يفيض كل منها عن الوجود السابق عليه ويتصل به اتصال المعلول بعلته . ( 4 ) « فكانت الملائكة له . . . العالم أعلاه وأسفله » . لما اقتضت الإرادة الإلهية ظهور العالم ، أو ظهور مرآة للوجود يرى الحق فيها نفسه ، اقتضى الأمر جلاء تلك المرآة لتتحقق فيها معاني الرؤية فكان آدم ( الإنسان ) عين ذلك الجلاء : إذ لولاه لظلت مرآة الوجود مظلمة معتمة لا ينعكس عليها كمال إلهي فيُرَى أو يُعرَف . وغاية الخلق - كما قلنا - أن يعرف الله وتدرك آثاره وكمالاته . وإذا عرفنا أن جلاء المرآة في لغة ابن عربي معناه كشف أسرار الوجود بنور العقل والقلب ، ولا يكون ذلك إلا للإنسان ، أدركنا منزلة الإنسان عنده من الله ومن الوجود عامة . فالإنسان من الله بمنزلة إنسان العين من العين ، وهو من الوجود قلب الوجود النابض وعقله المدرك لحقائقة . وفي الإنسان قوى كثيرة روحية وحسية ، وكذلك في العالم مثل هذه القوى . وكل قوة سواء أكانت في الإنسان أم في العالم محجوبة بذاتها ، مشغولة بنفسها لا ترى في الوجود أفضل منها . ولهذا الحجاب زعمت الملائكة أنهم أفضل من آدم فلم يسجدوا له . ولهذا الحجاب أيضاً عميت قوى الإنسان فلم تنظر كل منها إلى كمالات الأخرى ولم تنظر إلى كمالات النشأة الانسانية في جملتها ، وهي النشأة التي فيها - فيما يزعم أهلها - الأهليةُ لكل منصب عال ودرجة رفيعة عند الله . ذلك لأن النشأة الانسانية هي المظهر الأسمى للجمعية الإلهية التي هي أسماء الله وصفاته ، وفيها وحدها تتجلى جميع الصفات التي توجد في العالم متفرقة في أجزائه . ففيها أولًا - ما يرجع إلى الجناب الإلهي : أي الذات الإلهية متصفة بالأسماء . وثانياً - ما يرجع إلى حقيقة الحقائق - وهي بمثابة العقل الأول في فلسفة