ابن عربي
106
فصوص الحكم
ورد في قصته ، لأن يوسف قد كشف عن العالم المثالي على الوجه الأكمل ، وكان عالماً بالمراد من الصور المرئية المثالية . والمراد « بالحكمة النورية » المعرفة الخاصة بذلك العالم النوراني الذي هو عالم المثال . فبهذه الحكمة نعرف أسرار هذا العالم وندرك صلته بحضرة الخيال في الإنسان . ولهذا قال « انبساط نورها على حضرة الخيال » : أي انها تلقي الضوء على ما خفي من ظواهر حضرة الخيال . هذا إذا أعدنا الضمير في نورها على الحكمة النورية . ولكن القيصري وجامي يعيدان الضمير على « الكلمة اليوسفية » أي روحانية يوسف التي يقولان إن نورها منبسط على حضرة الخيال ، بحيث إن كل من يعلم علم الرؤيا من بعده إنما يأخذ عن مرتبته ويستمد من روحانيته . وليس لهذا التخريج ما يؤيده من نصوص الكتاب . ( 2 ) « وقال يوسف عليه السلام : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً . . . إلى في خزانة خياله » . يذهب إلى أن ما يُرى في الأحلام على صورته الواقعية أو على صورة أخرى غير صورته قد يكون نتيجة قصد وإرادة من الرائي أو من المرئي أو من كليهما ، وقد يحصل عن غير قصد ولا إرادة منهما . فإذا وقعت الرؤيا نتيجة لقصد وإرادة كان للقاصد علم بما قصد ، وإذا وقعت من غير قصد وإرادة من أحد ، لم يكن للمرئي علم بما رآه الرائي ولا للرائي علم بما رأى إلا بعد حصول الرؤية . وهذا النوع أدخل في باب الرؤيا الصادقة وأكمل لأنه إدراك مباشر لما في خزانة الخيال . وقد كانت رؤية يوسف لإخوته في صورة الكواكب ، ولأبيه وخالته في صورة الشمس والقمر غيرَ مرادة له ولا لأحد من المرئيين بدليل أنه لم يكن يعلم عن هذا الأمر شيئاً وأنهم لم يكن لهم علم بما رآه . ولذلك أدرك يعقوب قيمة رؤيا ابنه وصدقها فقال له « يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً » .