ابن عربي
98
فصوص الحكم
بها أيضاً ، وإِنما يردعها طلباً الصحة - والصحة من الطبيعة أيضاً - بإِنشاء مزاج آخر يخالف ( 1 ) هذا المزاج . فإِذن ليس الطبيب بخادم للطبيعة ، وإِنما هو خادم لها من حيث إِنه لا يصلِحُ جسم المريض ولا يغير ذلك ( 2 ) المزاج إِلا بالطبيعة أيضاً . ففي حقها يسعى من وجه خاص غير عام لأن العموم لا يصح في مثل هذه المسألة . فالطبيب خادم لا خادم أعني للطبيعة ، وكذلك الرسل والورثة في خدمة الحق . والحق ( 3 ) على وجهين في الحكم في أحوال المكلَّفين ، فيَجرِي الأمر من العبد بحسب ما تقتضيه إِرادة الحق ، وتتعلق إِرادة الحق به بحسب ما يقتضي ( 4 ) به علم الحق ، ويتعلق علم الحق به على حسب ما أعطاه المعلوم من ذاته : فما ظهر إِلا بصورته . فالرسول والوارث خادم الأمر الإلهي بالإرادة ، لا خادم الإرادة . فهو يردُّ عليه به طلباً لسعادة المكلَّف ( 5 ) فلو خدم الإرادة الإلهية ما نصح وما نصح إِلا بها أعني بالإرادة . فالرسول والوارث طبيب أُخْروي للنفوس منقاد لأمر الله حين أمره ، فينظر في أمره تعالى وينظر في إِرادته تعالى ، فيراه قد أمره بما يخالف إِرادته ولا ( 6 ) يكون إِلا ما يريد ، ولهذا كان الأمر . فأراد الأمر فوقع ، وما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور ( 7 ) فلم يقع من المأمور ، فسمي مخالفة ومعصية . فالرسول مبلِّغ : ولهذا قال شيبتني « هودٌ » وأخواتها لما تحوي عليه من قوله « فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ »
--> ( 1 ) ن : يخالفه ( 2 ) ساقطة في ا ( 3 ) ب : وأمر الحق ( 4 ) ب : يقضي ( 5 ) معنى العبارة أن الرسول خادم للأمر الإلهي التكليفي الواقع بالإرادة ، لأنه مأمور بتبليغ مثل هذا الأمر ، وليس خادماً للإرادة الإلهية لأن الإرادة قد تكون مخالفة للأمر التكليفي . فالرسول يرد على المكلف به أي بالأمر الإلهي طلباً لسعادته . أو كما يقول القاشاني فهو يرد على الأمر الإلهي بالأمر إذا تعلقت الإرادة بشقاوة العبد كما هو الحال في مسألة فرعون . ( 6 ) ن : فلا ( 7 ) ا : المأمور ن غير الباء . والمعنى وقوع الشيء الذي أمر به من المأمور : أي أن اللَّه أراد وقوع الأمر التكليفي من الرسول فوقع ولكنه لم يرد وقوع الشيء المأمور به من المأمور .