ابن عربي
224
فصوص الحكم
كونه لم يسمع ولم ير ، فليس بمصلّ أصلًا ، ولا هو ممن أَلقى السمع وهو شهيد . وما ثَمَّ عبادة تمنع من التصرف في غيرها - ما دامت - سوى الصلاة . وذِكْرُ الله فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال وأفعال - وقد ذكرنا صفة الرجل الكامل في الصلاة في الفتوحات المكية كيف يكون ( 1 ) - لأن الله تعالى يقول « إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ » ، لأنه شُرِعَ للمصلي ألا يتصرف في غير هذه العبادة ( 2 ) ما دام فيها ويقال له مصلٍ . « ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ » يعني فيها : أي الذكر الذي يكون من الله لعبده حين يجيبه في سؤاله . والثناء عليه أكبر من ذكر العبد ربه فيها ، لأن الكبرياء لله تعالى . ولذلك قال : « والله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ » وقال « أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ » . فإلقاؤه السمع هو لما يكون من ذكر الله إياه فيها . ومن ذلك أن الوجود لما كان عن حركة معقولة نقلت العالم من العدم إلى الوجود عمت الصلاة جميع الحركات وهي ثلاث : حركة مستقيمة وهي حال قيام المصلي ، وحركة أفقية وهي حال ركوع المصلي ، وحركة منكوسة وهي حال ( 3 ) سجوده . فحركة الإنسان مستقيمة ، وحركة الحيوان أفقية ، وحركة النبات منكوسة ، وليس للجماد حركة من ذاته : فإذا تحرك حجر فإنما يتحرك بغيره . وأما قوله « وجعلت قرة عيني في الصلاة - ولم ( 4 ) ينسب الجعل إلى نفسه - فإنَّ تجلي الحق للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلي : فإنه لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه لأمره بالصلاة على غير تجل منه له . فلما كان منه ذلك بطريق الامتنان ، كانت المشاهدة بطريق الامتنان . فقال وجعلت قرة عيني في الصلاة . وليس إلا مشاهدة المحبوب
--> ( 1 ) ن : تكون ( 2 ) أي يشغل نفسه بأي شيء آخر سوى هذه العبادة ( 3 ) ا : حالة . ب : ساقطة ( 4 ) ب : ساقطة .