ابن عربي

220

فصوص الحكم

صلى الله عليه وسلم المعنى الذي قُصِدَ به ( 1 ) في التحبب إليه ما لم يكن يؤثر حبَّه . فعلمه الله ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيماً . فغلَّب التأنيث على التذكير بقوله ثلاث بغير هَاءٍ . فما أعلَمَه صلى الله عليه وسلم بالحقائق ، وما أشد رعايته للحقوق ! ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث وأدرج بينهما المذكر ( 2 ) . فبدأ بالنساء وختم بالصلاة وكلتاهما تأنيث ، والطيب بينهما كهو في وجوده ، فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه ، فهو بين مؤنثين : تأنيث ذات وتأنيث حقيقي . كذلك النساء تأنيث حقيقي والصلاة تأنيث غير حقيقي ، والطيب مذكر بينهما كآدم بين الذات الموجود عنها ( 3 ) وبين حواء الموجودة عنه وإن شئت قلت الصفة فمؤنثة أيضاً ، وإن شئت قلت القدرة فمؤنثة أيضاً . فكن على أي مذهب شئت ، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين ( 4 ) جعلوا الحق علة في وجود العالم . والعلة مؤنثة . وأما حكمة الطيب وجعله بعد النساء ، فلما في النساء من روائح التكوين ، فإنه أطيب الطيب عناق الحبيب . كذا قالوا في المثل السائر . ولما خُلِقَ عبداً بالأصالة لم يرفع رأسه قط إلى السيادة ، بل لم يزل ساجداً ( 5 ) واقفاً مع كونه منفعلًا حتى كوَّن الله عنه ما كوَّن . فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس التي هي الأعراف ( 6 ) الطيبة . فحبب إليه الطيب : فلذلك جعله بعد النساء . فراعى الدرجات التي للحق في قوله ( 7 ) « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ » لاستوائه عليه باسمه الرحمن . فلا يبقى فيمن حوى عليه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية : وهو قوله تعالى « ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » :

--> ( 1 ) يصح أن يقرأ قصد بالبناء للفاعل أو قصد بالبناء للمفعول . والمراد بقوله « به » أي بالتغليب وبه متعلقة براعي . وضمير إليه عائد على النبي . « ما لم يكن » أي ما دام . والهاء في حبه عائدة إما على المعنى أو على النبي ( 2 ) ب : التذكير ( 3 ) ب : هو عنها ( 4 ) « ا » و « ن » : الذي ( 5 ) ب : ساجداً خاضعاً . وقوله « مع كونه » أي في حالة كونه ( 6 ) ب : الأعراب ( 7 ) ب : المشار إليها في قوله .