ابن عربي
196
فصوص الحكم
فإنهم وقفوا مع كثرة الصور ونسبة الألوهة ( 1 ) لها . فجاء الرسول ودعاهم إلى إله واحد يعرَفُ ولا يُشْهَد ، بشهادتهم أنهم أثبتوه عندهم واعتقدوه في قولهم « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى » لعلمهم بأن تلك الصور ( 2 ) حجارة . ولذلك قامت الحجة عليهم بقوله « قُلْ سَمُّوهُمْ » : فما يسمونهم إلا بما يعلمون أن تلك الأسماء لهم حقيقة . وأما العارفون بالأمر على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا ( 3 ) بحكم الوقت لحكم الرسول الذي آمنوا به عليهم الذي به سموا مؤمنين . فهم عبَّاد الوقت مع علمهم بأنهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانها ، وإنما عبدوا الله فيها لحكم سلطان التجلي الذي عرفوه منهم ( 4 ) ، وجَهِلَه المنكِرُ الذي لا علم له بما تجلى ، ويستره ( 5 ) العارف المكمل من نبي ورسول ووارث عنهم . فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصور لما انتزح عنها رسول الوقت اتباعاً للرسول طمعاً في محبة الله إياهم بقوله « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله » . فدعا إلى إله يُصْمَد إليه ويُعْلَم من حيث الجملة ، ولا يشهد « ولا تُدْرِكُه الأَبْصارُ » ، بل « هُوَ ( 6 ) يُدْرِكُ الأَبْصارَ » لِلُطفه وسريانه في أعيان الأشياء . فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك ( 7 ) أرواحَهَا المدبرةَ أشباحَهَا وصورَها الظاهرة . « وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » والخبرة ذوق ، والذوق تجل ، والتجلي في الصور . فلا بد منها ولا بد منه ، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت ، وعلى الله قصد السبيل .
--> ( 1 ) ن : الألوهية ( 2 ) ن : الصورة ( 3 ) ب : يكون ( 4 ) أي من الأصنام . ( 5 ) ن : أو ستره ( 6 ) ب : ساقطة ( 7 ) « ا » و « ن » : تدركه