ابن عربي

178

فصوص الحكم

فكل من ذكرته ( 1 ) الرحمة فقد سعد ، وما ثم إلا من ذكرته الرحمة . وذكر الرحمة الأشياء ( 2 ) عين إيجادها إياها . فكل ( 3 ) موجود مرحوم . ولا تحجب يا ولي عن إدراك ما قلناه بما ترى من أصحاب البلاء وما تؤمن به من آلام الآخرة التي لا تفتر عمن قامت به . واعلم أولًا أن الرحمة إنما هي في الإيجاد عامة . فبالرحمة بالآلام ( 4 ) أوجد الآلام ( 5 ) . ثم إن الرحمة لها أثر ( 6 ) بوجهين : أثر بالذات ، وهو إيجادها كل عين موجودة . ولا تنظر إلى غرض ولا إلى عدم غرض ، ولا إلى ملائم ولا إلى غير ملائم : فإنها ناظرة في عين كل موجود قبل وجوده . بل تنظره ( 7 ) في عين ثبوته ، ولهذا رأت الحق المخلوق في الاعتقادات عيناً ثابتة في العيون الثابتة فرحمته بنفسها ( 8 ) بالإيجاد . ولذلك قلنا إن الحق المخلوق ( 9 ) في الاعتقادات أول شيء مرحوم بعد رحمتها نفسها ( 10 ) في تعلقها بإيجاد الموجودين . ولها أثر آخر بالسؤال ، فيسْأل المحجوبون الحق أن يرحمهم في اعتقادهم ، وأهل الكشف يسألون رحمة الله أن تقوم بهم ، فيسألونها باسم الله فيقولون يا الله ارحمنا . ولا يرحمهم إلا قيام الرحمة بهم ( 11 ) ، فلها الحكم ، لأن الحكم إنما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحل . فهو ( 12 ) الراحم على الحقيقة . فلا يرحم الله عباده المعتنى بهم إلا بالرحمة ، فإذا قامت بهم وجدوا حكمها ذوقاً . فمن ذكرته الرحمة فقد رَحِمَ . واسم الفاعل هو الرحيم والراحم . والحكم ( 13 ) لا يتصف بالخلق لأنه أمر توجبه المعاني لذواتها . فالأحوال لا موجودة ولا معدومة ، أي لا عين لها في الوجود لأنها نسب ( 14 ) ، ولا

--> ( 1 ) ب : ما ( 2 ) ن : للأشياء ( 3 ) ب : وكل ( 4 ) ب : بالأم ( 5 ) ب : بالأم ( 6 ) « ب » و « ن » : الأثر ( 7 ) ب : بنظرة ( 8 ) ا : بنفسه ( 9 ) ا : المخلوق به . ( 10 ) « ب » و « ن » : بنفسها ( 11 ) ب : لهم ( 12 ) ا : وهو . ( 13 ) ا : هو الحكم ( 14 ) « ا » و « ن » : نسبه .