ابن عربي
172
فصوص الحكم
وهي ميل إلى المراد الخاص دون غيره . والاعتدال يؤذن بالسواء في الجميع ، وهذا ليس بواقع ، فلهذا مَنَعْنَا ( 1 ) من حكم الاعتدال . وقد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرضا والغضب ، وبالصفات . والرضا مزيل للغضب ، والغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه والاعتدال أن يتساوى الرضا والغضب ، فما غضب الغاضب على من غضب عليه وهو ( 2 ) عنه راض . فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه وهو ميل . وما رضي الراضي عمن رضي عنه وهو غاضب عليه ، فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه وهو ميل . وإنما قلنا هذا من أجل من يرى أن أهل النار لا يَزَال غضب الله عليهم دائماً أبداً في زعمه . فما لهم حكم الرضا من الله ، فَصَحَّ المقصود . فإن كان كما قلنا مآل أهل النار إلى إزالة الآلام وإن سكنوا النار ، فذلك رضا : فزال الغضب لزوال الآلام ( 3 ) ، إذا عين الألم عين الغضب إن فهمت . فمن غضب فقد تأذَّى ، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك ، فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه . والحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علواً كبيراً عن هذه الصفة على هذا الحد . وإذا كان الحق هُوِيَّة العالم ، فما ظهرت الأحكام كلها إلا منه وفيه ، وهو قوله « وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه » حقيقة وكشفاً « فَاعْبُدْه وتَوَكَّلْ عَلَيْه » حجاباً وستراً . فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه على صورة الرحمن ، أوجده الله أي ظهر ( 4 ) وجوده تعالى بظهور العالم كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية . فنحن صورته الظاهرة ، وهويته روح هذه الصورة المدبرة لها . فما كان التدبير إلا فيه كما لم يكن إلا منه . ف * ( هُوَ « الأَوَّلُ » بالمعنى « والآخِرُ » بالصورة .
--> ( 1 ) ا : منعناه ( 2 ) ا : فهو ( 3 ) ن : الألم ( 4 ) ا : أي ظهر وجوده ، أي ظهر وجوده تعالى