ابن عربي
168
فصوص الحكم
قصاصاً ؟ الا تراه عليه السلام يقول في صاحب النِّسعة ( 1 ) « إنْ قَتَلَه كان مثله » ؟ الا تراه يقول « وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ؟ » فجعل القصاص سيئة ، أي يسوء ذلك ( 2 ) الفعل مع كونه مشروعاً . « فَمَنْ عَفا وأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى الله » لأنه على صورته . فمن عفا عنه ولم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنه أحق به إذ أنشأه له ، وما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه إنما يراعي الحق . وما يُذَمُّ الإنسان لعينه وإنما يذم الفعل منه ، وفعله ليس عينه ، وكلامُنَا في عينه . ولا فعل إلا الله ، ومع هذا ذُمَّ منها ما ذم وحُمِدَ منها ما حمد . ولسان الذم على جهة الغرض مذموم عند الله . فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع ، فإنَّ ( 3 ) ذم الشرع ( 4 ) لحكمة يعلمها الله أو من أَعْلَمه الله ، كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع وإرداعاً للمعتدي حدود الله فيه . « ولَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْبابِ » وهم أهل لب الشيء الذين عثروا على سر ( 5 ) النواميس الإلهية والحِكمية . وإذا علمت أن الله راعى هذه النشأة وإقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذْ لَكَ بذلك السعادة ، فإنه ما دام الإنسان حياً ، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له . ومن سعى في هدمه فقد سعى في منع وصوله لما خلق له . وما أحسن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أنبئكم بما هو خير لكم وأفضل من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربون رقابكم ؟ ذكر الله » . وذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر الله الذكر المطلوب منه ، فإنه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود للذاكر . ومتى لم يشاهد الذاكر ( 6 ) الحقَّ الذي هو جليسه
--> ( 1 ) « ا » و « ن » : التسعة بالتاء - وهي بالنون . والتسعة بالكسر سير ينسج عريضاً على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال ( القاموس المحيط ) . والقصة أن النسعة كانت لرجل وجد مقتولًا فرأى وليه نسعته في يد رجل فأخذه بدم صاحبه فلما قصد قتله قال رسول اللَّه : إن قتله كان مثله أي في الظلم ( 2 ) ا : ليسوء ( 3 ) ساقط في ن ( 4 ) ساقط في ن ( 5 ) ب : أسرار ( 6 ) ن : هذا الذاكر .