ابن عربي

151

فصوص الحكم

16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية « إِنَّه » يعني الكتاب « من سُلَيْمانَ ، وإِنَّه » أي مضمون الكتاب « بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » . فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على اسم الله تعالى ولم يكن كذلك . وتكلموا في ذلك بما لا ينبغي مما لا يليق بمعرفة سليمان عليه السلام بربه . وكيف يليق ( 1 ) ما قالوه ( 2 ) وبلقيس تقول فيه « أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ » أي يكْرم عليها ( 3 ) . وإنما حملهم على ذلك ربما تمزيق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما مزقه حتى قرأه كله وعرف مضمونه . فكذلك كانت تفعل بلقيس لو لم توفق لما وقفت له . فلم يكن يحمي الكتابَ عن الإحراق لحرمة ( 4 ) صاحبه تقديم اسمه عليه السلام على اسم الله عز وجل ولا تأخيره . فأتى سليمان بالرحمتين : رحمة الامتنان ورحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم . فامتن بالرحمن وأوجب بالرحيم . وهذا الوجوب من الامتنان . فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمن . فإنه ( 5 ) كتب على نفسه الرحمة سبحانه ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد ، حقاً على الله تعالى أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة - أعني رحمة الوجوب . ومن كان من العبيد بهذه المثابة فإنه يعلم من هو العامل منه . والعمل مقسَّم على ثمانية أعضاء من الإنسان . وقد أخبر الحق أنه تعالى هُوِيّة كل عضو منها ، فلم يكن العامل غير الحق ، والصورة

--> ( 1 ) ب : ما يليق ( 2 ) ن : ما قالوا ( 3 ) ن : علينا ( 4 ) « ا » و « ب » : بحرمة بالباء - وفي العبارة تقديم وتأخير تقديره فلم يكن يحمي الكتاب عن الإحراق تقديم اسمه ( أي اسم سليمان ) لحرمة صاحبه ولا تأخيره ( 5 ) فإنه تعالى .