ابن عربي
149
فصوص الحكم
كما قال « هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا » بضمير الغائب ، فكان ( 1 ) الغيب ستراً لهم عما يراد بالمشهود الحاضر . فقال « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ » بضمير الغائب وهو عين الحجاب الذي هم فيه عن الحق . فذكرهم الله قبل حضورهم حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكمت في العجين فصيرته مثلها . « فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه . ولا ذلة أعظم من ذلة العبيد ( 2 ) لأنهم لا تصرف لهم في أنفسهم . فهم ( 3 ) بحكم ما يريده ( 4 ) بهم سيدهم ولا شريك له فيهم فإنه قال « عبادك » فأفرد . والمراد بالعذاب ( 5 ) إذلالهم ولا أذل منهم لكونهم عباداً . فذواتهم تقتضي أنهم أذلاء ، فلا تذلهم فإنك لا تذلهم بأدون مما هم فيه من كونهم عبيداً . « وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ » أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقونه بمخالفتهم ( 6 ) أي تجعل لهم غفراً ( 7 ) يسترهم عن ذلك ويمنعهم منه . « فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ( 8 ) » أي المنيع الحمى . وهذا الاسم إذا أعطاه الحق لمن أعطاه من عباده تسمى الحق بالمعز ، والمعطَى له هذا الاسم بالعزيز . فيكون منيع الحمى عما يريد به المنتقم والمعذب من الانتقام والعذاب . وجاء بالفصل والعماد أيضاً تأكيداً للبيان ولتكون الآية على مساق واحد في قوله « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » وقوله « كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » . فجاء أيضاً « فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . فكان سؤالًا من النبي عليه السلام وإلحاحاً منه على ربه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر يرددها ( 9 ) طلباً للإجابة . فلو سمع الإجابة في أول سؤال ما كرَّر . فكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضاً مفصلًا فيقول له في
--> ( 1 ) ب : وكان ( 2 ) ا : العبد ( 3 ) ا : ساقطة ( 4 ) ا : ما يريد ( 5 ) ا : بالعباد ( 6 ) ب : بمخالفهم ( 7 ) ب : غفوراً ( 8 ) ا : العزيز الحكيم ( 9 ) ب : يردها .