ابن عربي
139
فصوص الحكم
سويّا تخيلت أنه بشر يريد مواقعتها ، فاستعاذت با لله منه استعاذة بجمعية منها ليخلصها الله منه لما تعلم أن ذلك مما لا يجوز . فحصل لها حضور ( 1 ) تام مع الله وهو الروح المعنوي . فلو نفخ فيها في ذلك الوقت على هذه الحالة لخرج عيسى لا يطيقه أحد لشكاسة خُلقِه لحال أُمِّه . فلما قال لها « إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ » جئت « لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » انبسطت عن ذلك القبض وانشرح صدرها . فنفخ فيها في ذلك الحين ( 2 ) عيسى : فكان جبريل ناقلًا كلمة الله ( 3 ) لمريم كما ينقل الرسول كلام الله ( 4 ) لأمته ، وهو قوله ( 5 ) « وكَلِمَتُه أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْه » . فسرت الشهوة في مريم : فخُلِقَ جسم عيسى من ماء محقق من مريم ومن ماء متوهم من جبريل ، سرى ( 6 ) في رطوبة ذلك النفخ لأن النفخ من الجسم الحيواني رطبٌ لما فيه من ركن الماء . فتكوَّن جسم عيسى من ماء متوهم وماء محقق ، وخرج على صورة البشر من أجل أُمه ، ومن أجل تمثل جبريل في صورة البشر حتى لا يقع التكوين في هذا النوع الإنساني إلا على الحكم المعتاد ( 7 ) . فخرج عيسى ( 8 ) يُحْيِي الموتى لأنه روح إلهي ، وكان الإحياء لله ( 9 ) والنفخ لعيسى ، كما كان النفخ لجبريل والكلمة لله . فكان إحياء عيسى للأموات إحياء محققاً ( 10 ) من حيث ما ظهر عن نفخه كما ظهر هو عن صورة أُمه . وكان إحياؤه أيضاً متوهماً ( 11 ) أنه منه وإنما كان لله . فجمع بحقيقته التي ( 12 ) خلق عليها كما قلناه أنه مخلوق من ماء متوهم وماء محقق : ينسب إليه الإحياء بطريق التحقيق ( 13 ) من وجه وبطريق التوهم
--> ( 1 ) في المخطوطات الثلاثة : حضوراً تاماً وفي جميع الشروح حضور تام . ( 2 ) ا : الوقت ( 3 ) ا : + تعالى ( 4 ) ا : + تعالى ( 5 ) ا : + تعالى ( 6 ) ن : بل سرى ( 7 ) ب : + « فإن تكوين عيسى كان في هذا النوع » ( 8 ) ا : + عليه السلام ( 9 ) ا : + تعالى ( 10 ) ن : ساقطة - ا : محقق ( 11 ) ا : متوهم ( 12 ) « ب » و « ن » : لحقيقته باللام ( 13 ) ب : التحقق .