السيد محمد سعيد الحكيم
94
في رحاب العقيدة
حفظ الشيعة لتراث أئمتهم ( عليهم السلام ) يشهد باختصاصهم بهم وإذا كابر المكابر مع كل ذلك ، فأنكر اختصاص الشيعة بأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وتفاعلهم معهم ، وكذب أحاديثهم عنهم ، فماذا يقول عن الكمّ الهائل من الأدعية « 1 » ، والزيارات « 2 » - على اختلاف مضامينها ومناسباتها الكثيرة - والحكم ، والمواعظ ، والخطب ، ونحوها مما يفيض بالعلم الإلهي ؟ . تلك الكنوز التي اختص بها الشيعة ، وتميزوا بها عن غيرهم . وقد امتازت بلسانها الرفيع ، وبيانها الفريد ، ومضامينها الشريفة العالية . فإن المنصف يرى أن الأئمة ( عليهم السلام ) لم يمكنوهم منه ، ويخصوهم به ، إلا لاستجابتهم لهم ( عليهم السلام ) ورضاهم ( عليهم السلام ) عنهم ، وانسجامهم معهم . ولماذا لم يتلقفها جمهور السنة ويتناقلوها ويرعوها ويحفظوه ؟ « 3 » ، مع أنهم قد أخذوا من أصناف الناس على اختلاف ميولهم ونزعاتهم ، ومن
--> ( 1 ) كأدعية كميل ، والصباح ، والعشرات ، المروية عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ودعاء الحسين يوم عرفة ، وأدعية الصحيفة السجادية ، ودعاء الافتتاح ، ودعاء أبي حمزة الثمالي الذي يقرأ في شهر رمضان ، وبقية أدعية شهر رمضان في لياليه وأسحاره ونهاره ، وأدعية شهري رجب وشعبان ، وأدعية ليالي الجمع ، وغيرها مما لا يحصى كثرة ، ذات المضامين العالية في تمجيد الله تعالى وتقديسه والثناء عليه ، والبخوع له والتضاؤل أمامه ، والتذلل بين يديه ، والرهبة منه ، والرجاء له ، والرغبة إليه ، واستعطافه واسترحامه ، والابتهال إليه والطلب منه ، وغير ذلك مما لا يحصى من فنون الدعوات . ( 2 ) كزيارة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المعروفة بزيارة ( أمين الله ) ، وبقية زياراته في مختلف المناسبات ، وزيارة وارث ، وليلة النصف من شعبان للحسين ( عليه السلام ) ، وبقية زياراته ( عليه السلام ) في مختلف المناسبات ، والزيارة الجامعة الكبيرة لجميع الأئمة ( عليهم السلام ) ، وبقية زيارات المعصومين ( صلوات الله عليهم أجمعين ) ، ذات المضامين العالية الجليلة . ( 3 ) يقول المرجع الديني المعاصر السيد شهاب الدين المرعشي في استدراكهعلى مقدمة الصحيفة السجادية المطبوعة في حدود سنة 1361 ه - : " وإني في سنة 1353 ه - بعثت نسخة من الصحيفة الشريفة إلى العلامة المعاصر الشيخ جوهري طنطاوي صاحب التفسير المعروف ، مفتي الإسكندرية ، ليطالعه ، فكتب إلي من القاهرة وصول الصحيفة ، وشكر لي هذه الهدية السنية ، وأطرى في مدحها والثناء عليه ، إلى أن قال : ومن الشقاء أنا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيم الخالد ، من مواريث النبوة وأهل البيت . وإني كلما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق ، ودون كلام الخالق إلى آخر ما قال . ثم سأل عني ( كذا في المصدر ) : هل شرحها أحد من علماء الإسلام ؟ فكتبت إليه أسامي من شرحه ممن كنت أعلم به . وقدمت لسماحته رياض السالكين للسيد علي خان . وكتب في جواب وصوله : إني مصمم ومشمر الذيل على أن أكتب شرحاً على هذه الصحيفة العزيزة . انتهى " . فإذا كان الشيخ جوهري طنطاوي ، مع موسوعيته ، وكثرة اطلاعه ، لم يطلع على الصحيفة السجادية مع اشتهارها وشيوع انتشارها بين الشيعة - على اختلاف مذاهبهم - فكيف بغيره ممن هو أقل منه اطلاع ، وأضيق أفق ؟ ! وكيف يكون الحال مع غير الصحيفة السجادية مما هو دونها ظهوراً وانتشار ؟ !