السيد محمد سعيد الحكيم

365

فاجعة الطف (أبعادها، ثمراتها، توقيتها)

قوة خط الخلافة عند الجمهور يفضي إلى تحكيم السلطة في الدين الجهة الثانية : أنه بعد أن كان المفروغ عنه عند المسلمين ، على اختلاف توجهاتهم - عدا الشاذ الذي لا يعتد به - واستفاضت به النصوص ، هو لزوم الإمامة ، فالصراع الظاهر لما كان منحصراً بين خطّ أهل البيت القاضي بإمامتهم ، تبعاً للنص ، والخط الآخر القاضي بعدم انضباط أمر الإمامة ، وأن من تغلب فهو الإمام ، فانحسار خط أهل البيت عليهم السلام عقائدياً - نتيجة النصوص التي وضعت في عهد معاوية وما سبقها مما ظهر في عهد الخلفاء الأولين - مستلزم لقوة الخط الثاني ، وإضفاء الشرعية على إمامة المتغلب وخلافته ، بغض النظر عن شخصه وسلوكه . ومن الطبيعي حينئذ أن يكون له التحكم في الدين ، جرياً على سنن الماضين واقتداءً بهم ، حيث يألف الناس ذلك ، ويتأقلمون معه كأمر واقع . وقد تقدم أن ذلك هو السبب في تحريف الأديان ومسخها . وقد يقول قائل : إن احترام الجمهور للأولين ، بل تقديسهم لهم هو الذي جعلهم يقبلون منهم ما شرّعوه من الأحكام ، ولا يتعدى ذلك لغيرهم ممن تأخر عنهم ، ولا يحظى بمثل ذلك الاحترام والتقديس . لكنه يندفع : بأن قبول الجمهور لأحكام الأولين ليس من أجل احترامهم بأشخاصهم ، بل من أجل منصبهم ، حيث ابتنى المنصب في الصدر الأول على أن الخليفة هو المرجع للمسلمين في دينهم وفي إدارة أمور دنياهم . وذلك يجري فيمن بعدهم بعد فرض شرعية منصبهم . ولذا جرى من بعدهم على سنتهم في كيفية اختيار الخليفة ، وبقي العمل عليها ما دامت الخلافة قائمة كأمر واقع ، تبعاً لسنة الأولين بعد فرض شرعيتها عند الجمهور .