السيد محمد سعيد الحكيم

20

أصول العقيدة

وإذا كان بعض الناس يتعمد مخالفة الحق الواضح عناد ، أو لمصالح مادية ، فإن أكثر الناس ليسوا كذلك ، بل يتبنى كل فريق دينه وعقيدته عن قناعة وإخلاص ، ويعمل عليه ويسعى في ترويجه ، ويدافع عنه بإصرار قد يبلغ حد التضحية بكل غالٍ ونفيس . وما ذلك إلا لخفاء الحق عليه . ولذا قد يذهب الذاهب إلى أن الحق ليس بذلك الوضوح ، وأن كل صاحب دين وعقيدة معذور فيما يعتقد ، إلا من تعمّد مخالفة الحق مع وضوحه عنده ، عناد ، أو لمصالح مادية أو غير ذلك ، كما أشار إليه في قوله تعالى : وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهُم البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم « 1 » . وهم أقل القليل . وجواب ذلك : أن كثرة الخلاف في الحق لا تنافي وضوحه ، لا بمعنى وضوحه للمخالف فيه ، بل بمعنى وضوحه في حدّ نفسه ، بحيث لو أراد الإنسان الفحص عنه بالطرق العقلائية والنظر في أدلته ، وتحكيم الوجدان فيه ، لوصل إليه ، وإنما لم يستوضحه المخالف لتفريطه في أمره ، إما لعدم اهتمامه بالبحث والفحص ، أو لوجود المانع عنده من الاستجابة للأدلة - من مصالح مادية ، أو تعصب ، أو تقليد أعمى ، أو غير ذلك - يفقد الإنسان به رشده ، ويعطل عقله ، ويخرج بسببه عن الطرق العقلائية المعول عليها - عنده وعند جميع العقلاء - في عامّة الأمور . ومن أجل ذلك لا يكون معذوراً بين يدي الله تعالى ، الذي فرض الحق ، وأوضح حجته .

--> ( 1 ) سورة البقرة آية : 213 .