الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

582

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)

فقد جعل الإمداد بالبنين من نِعم اللَّه تعالى ، كالإمداد بالأموال ، والجنّات ، والأنهار . ومنها : ما ورد في قصّة بني إسرائيل : ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً « 1 » . حيث منَّ اللَّه تعالى عليهم بالإمداد بالأموال وكثرة عددهم . ومنها : نقلًا عن قول هود لُامّته : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ « 2 » . ومنها : غير ذلك من الآيات الكريمة . بل يظهر من بعض الآيات ، أنّ الكفّار من جميع الأمم الماضية كانوا يفتخرون على المؤمنين بأنّهم أكثر أموالًا وأولاداً : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلَاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ « 3 » . ولم يكن ذلك إلّالكونهم من نِعم اللَّه ، ودليلًا على القرب إليه ، وسبباً لمزيد من القوّة والقدرة . هذا . ولكنّ الكلام في أنّ هذا حكم لجميع الأزمنة والأمكنة ، أو للأزمنة والأمكنة التي توجب الكثرة العددية فيها قوّةً وقدرة ؟ فلو فرض كون الكثرة في بعض الأزمنة ، سبباً للضعف والنقص والفقر الشديد من ناحية الاقتصاد ، وتحصيل العلم والصحّة ، أو في بعض الأمكنة كذلك ؛ بحيث تكون البلاد التي أقلّ نفوساً أكثر كيفية ، والبلاد التي تكون أكثر عدداً أقلّ قوّةً ، فهل هذا الحكم باقٍ بحاله ؟ ظاهر الآيات السابقة عدمه ؛ لأنّها جعلت في جنب ما يوجب القوّة والقدرة ، وقد كانت الكثرة العددية في تلك الأيّام كذلك .

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 6 . ( 2 ) . الشعراء ( 26 ) : 131 - 134 . ( 3 ) . سبأ ( 34 ) : 35 .