الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
441
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
ومثل هذا الدين كيف يرخّص في قتل المرتدّ ، ولا سيّما إذا لم يكن عن تقصير ، بل حصل له شكّ بعد التحقيق والمطالعة ؟ ! ولكنّ الجواب عنه يظهر بذكر مقدّمتين : الأولى : أنّ المرتدّ على أقسام : فتارةً : يكون شاكّاً في الإسلام بعد ما آمن به ؛ لشبهة حصلت له . وأخرى : لا يبقى في الشكّ ، بل يختار ديناً آخر ؛ من دون عناد للإسلام والمسلمين ، ومن دون دعاية مضادّة ومعارضة لهم . وثالثة : يعاند الإسلام ويدعو الناس أو بعضهم إلى ما هو عليه ، ويطرح الشبهات هنا وهناك ، ويعارض الإسلام ويعانده . ولا شكّ في أنّ جميع هؤلاء ليسوا سواءً . الثانية : أنّ هناك قضيّة تأريخية نزلت فيها آية من كتاب اللَّه ؛ وهي أنّه تواطأ اثنا عشر حبراً من أحبار يهود خيبر وغيرهم ، فقال بعضهم لبعض : ادخلوا دين محمّد أوّل النهار باللسان دون العقيدة ، واكفروا به آخر النهار وقولوا : إنّا نظرنا في كتبنا ، وشاورنا علماءنا ، فوجدنا محمّداً ليس بذلك ، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه ، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينه وقالوا : إنّهم أهل الكتاب ، وهم أعلم به منّا ، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم ، فنزلت الآية : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 1 » . فكشف اللَّه هذه المكيدة ، وأخبر نبيّه بذلك ، وكان عاقبة مكرهم خسراً . وهذا لا يختصّ بذلك الزمان ؛ أي عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يجري في جميع الأزمنة ، وفي أعصارنا يكون أقوى وأشمل ، واليوم ترى له مصاديق كثيرة في داخل البلاد الإسلامية وخارجها ، ولذا سدّ شارع الإسلام هذا الباب بتشديد الأمر في المرتدّ .
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 72 .