الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

417

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)

صالحة وكان تابعاً لنبيّه في زمن ذلك النبي وما بعده قبل‌أن‌ينسخ ، كان أجره على اللَّه . ويدلّ على ذلك ذكر الأفعال بصورة الماضي : آمَنَ وعَمِلَ أي في زمانه . اللهمّ إلّاأن يقال : مَنْ ها هنا شرطية ، فلا يكون الفعل ظاهراً في الماضي . ويشهد له ما ورد في شأن نزولها في سلمان الفارسي في قصّة طويلة ؛ وأنّه بعد إيمانه برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتأسّف أسفاً شديداً على بعض أصدقائه السابقين من رهبان دير موصل ؛ لأنّهم لم يدركوا نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حتّى يؤمنوا به ، فقال بعض الحاضرين بعد سماعه تأسّف سلمان : « إنّهم من أهل النار » فنزلت الآية وقالت : « إنّهم من أهل الجنّة ؛ لأنّهم عملوا بما كان واجباً عليهم في زمانهم » « 1 » ، فهذا يكون دليلًا على أنّ هؤلاء المذكورين في الآية كلّهم - حتّى الصابئين - من أهل الكتاب . وممّا يدلّ على أنّهم من أهل الكتاب عطف المشركين عليهم في الآية 17 من سورة الحجّ ، فلو كانوا مشركين لم يكن لعطفهم عليهم وجه . إن قلت : أيّة فائدة لتكرار الإيمان في قوله : مَنْ آمَنَ مع أنّ الإيمان مذكور قبله ، والمفروض أنّ المراد من أهل الكتاب أيضاً هم المؤمنون منهم ؟ ! قلنا : المراد من الأوّل هو صورة الإيمان ، ومن الثاني حقيقة الإيمان وكماله وثباته واستقراره ، كما في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في سورة الحمد ، والمراد منه الثبات على الإيمان والصراط المستقيم . إن قلت : لعلّ المراد من الآية أنّ هؤلاء لو آمنوا برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في المستقبل ، كانت لهم هذه المثوبات . قلنا : - مضافاً إلى أنّ هذا خلاف ظاهر الفعل الماضي - إنّه لو كان هذا هو المراد من الآية ، لكان ينبغي أن يضيف إلى هذه الطوائف ، المشركين أيضاً ، كما ورد في

--> ( 1 ) . تفسير الطبري 1 : 362 - 364 .