الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

370

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)

بعض - أنّه لا يجوز تعدّد الزوجات ؛ وأنّ التعدّد مشروط بشرط غير ممكن ، فلا يجوز ؛ وذلك يعلم من ضمّ قوله تعالى : فَإنْ خِفْتُمْ ألَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ ذلِكَ أدْنى ألَّا تَعُولُوا « 1 » ، إلى قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ « 2 » . فإنّ الأوّل يوجب الواحدة عند خوف عدم العدالة بين النساء ، ففي الواقع يدلّ على اشتراط التعدّد بالعدالة ، والثاني يدلّ على عدم التمكّن من العدالة حتّى بعد الجدّ ، ونتيجة ذلك المنع عن التعدّد مطلقاً . والجواب : أنّ أوّل من استدلّ بذلك الملحد المعروف ابن أبي العوجاء ، ذكره لهشام بن الحكم ، ولم يقدر هشام على جوابه ، فسافر إلى المدينة في غير أوقات الحجّ ، فتعجّب منه الإمام عليه السلام ولكن ذكر عذره ، فأجابه عليه السلام بجواب دقيق متين يأتي ذكره . وقد رأينا في الأزمنة الأخيرة الاستدلال بهما على منع التعدّد في الإسلام من بعض ملاحدة العصر . وحاصل جواب الإمام الصادق عليه السلام : أنّ العدالة في الآية الأولى بمعنى العدالة في النفقة وأمثالها من الأفعال الصادرة من الزوج بالنسبة إلى الزوجة ، وأمّا العدالة في الثانية فهي بمعنى المساواة في المحبّة القلبية ، وهي أمر غير ممكن ؛ لخروجها عن الاختيار ، كما لا يخفى « 3 » . والذي يدلّ على ما أفاده عليه السلام أمران : أوّلهما : قوله تعالى في ذيل الآية : فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ « 4 » فإنّ معناه جواز التعدّد ، ولكن لا يجوز معه أن يكون كلّ الميل إلى إحداهما ، فاللازم

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 3 ، والعول : هو الظلم والجور . [ منه دام ظلّه ] ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 129 . ( 3 ) . راجع : البرهان في تفسير القرآن 3 : 18 / 2094 و 243 / 2780 . ( 4 ) . النساء ( 4 ) : 129 .