الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
119
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
رابع في المسألة . إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ هذا الحكم مخالف للقاعدة ، لا لأصالة الإباحة فقط ، بل للمفهوم المستفاد من قولهم عليهم السلام : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » فإنّ الظاهر أنّ هذه الروايات في مقام بيان جميع ما يحرم من الرضاع ، فلا يحرم غيره . مضافاً إلى ما عرفت من أنّ تناسب الحكم والموضوع ، يدلّ على أنّ اللبن يقوم مقام النطفة ، فيؤثّر آثارها ، والابن الرضاعي شبيه بالابن النسبي ؛ لإنبات لحمه وشدّ عظمه بلبن الامّ ، ولا معنى لقيام المصاهرة مقام الرضاع . هذا بحسب الكبرى . وأمّا صغراها في المقام ، فلأنّ أخت المرتضع ليست إلّااختاً لولده ، وأخت الولد لا تحرم على الأب إلّافي صورة واحدة ؛ وهي أن تكون داخلة تحت عنوان « الربيبة » بأن تكون للزوجة المدخول بها بنت من رجل آخر ، فهذه أخت المرتضع ؛ أي أخت ولده ، ومن المعلوم أنّ تحريم الربيبة إنّما هو من ناحية المصاهرة ؛ قال تعالى : وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِى فِى حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ « 1 » . وإلى ذلك أشار المحقّق الثاني في « جامع المقاصد » - ولنعم ما قال - : « اختاره الشيخ في « المبسوط » عدم التحريم ؛ لأنّ أخت الابن من النسب إنّما حرمت ، لكونها بنت الزوجة المدخول بها ، فتحريمها بسبب الدخول بامّها ، وهذا المعنى منتفٍ هنا ، والنبي صلى الله عليه وآله قال : « إنّما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » ولم يقل : « يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة » « 2 » . إن قلت : يمكن منع دلالة الروايات - الدالّة على القاعدة - على الحصر في ذلك ، فلا منافاة بينها وبين ما دلّ على حرمة المذكورات في المقام . قلت : لا ينبغي الشكّ في أنّها ظاهرة في الحصر ، ولذا ذكر صاحب « الجواهر » قدس سره بعد نفي الحصر ما نصّه : « ومع التسليم - بل لعلّه الظاهر المنساق منها ، خصوصاً بعد
--> ( 1 ) . نساء ( 4 ) : 23 . ( 2 ) . جامع المقاصد 12 : 229 .