الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني

30

لمحات في الكتاب والحديث والمذهب

أقول : أوّلًا : لماذا لا يكون مثل هذا من النسخ ؟ وأنّ الحكم الأول قد نسخ بالثاني ، ونسخ الحكم لا مانع من وقوعه إذا وقع في عصر الرسالة ، وإلّا فهل يقول أحد بجواز العمل بالحكم الأول إذا اقتضى اجتهاد المجتهد ذلك ، ولا يراه من الإجتهاد في مقابل النص ؟ وثانياً : لقائل أن يقول : ما كان عليه أهل المدينة من التبايع في الثمار قبل نضجها وبُدُوِّ صلاحها لم يكن من الأحكام الشرعية الموحى بها إلى النبي صلى الله عليه وآله ، بل كان المجتمع في هذه القوانين والعادات التي كان ملتزماً بها قبل بزوغ شمس النبوة الخاتمة باقياً على حاله ، والأحكام إنّما نزلت على الرسول صلى الله عليه وآله تدريجاً وفي المناسبات ، فالحكم الشرعي الإلهي الذي لا يتغير هو عدم جواز بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها على التفاصيل المذكورة في الفقه ، لا أنّ الرسول صلى الله عليه وآله عدل عن رأيه الأول وظهر له خطؤه ، وأنّ الحكم الثاني كان من رأيه أيضاً وهو قابل للتغيير . فالصحيح أنّ الحكم الثاني ثابت أبداً لا يتغيّر ، صارت الظروف ما صارت وتغيرت الأحوال ما تغيرت ، والنص النبوي كالنص القرآني لا فرق في ذلك بين المعاملات والعبادات فكلها مصونة عن التغيير . نعم الأحكام السلطانية التي تصدر تحقيقاً لتنفيذ الأحكام الشرعية ، وحفظ النظام ، وإقامة العدل ، وإيصال حق كل ذي حق إليه ، والدفاع عن حوزة الإسلام ، ربّما تحدّد حريات الأفراد في أموالهم وأنفسهم في مقدار من الزمان ، وما دامت الضرورة الموجبة للتحديد المذكور باقية ، فللحاكم مثلًا أن يحكم على مالك الغلّات بعرض غلّته للبيع عند احتياج الناس إليها دفعاً للحرج عن العامة ، وحفظاً