السيد محمد صادق الروحاني
88
زبدة الأصول (ط الخامسة)
أقول : فالأظهر أنّ الأصل هو التعيين ، للعلم بحجيّة الراجح ، كفتوى الأعلم في مفروض المثال إمّا تعييّناً أو تخييّراً ، والشكّ في حجيّة المرجوح ، وقد مرّ في أوّل مباحث الظنّ ؛ أنّ الشكّ في الحجيّة مساوقٌ للقطع بعدم الحجيّة . القسم الثاني : ما إذا دار الأمر فيه بين التعييّن والتخييّر في مقام الامتثال ، لأجل التزاحم ، كما في عجز المكلّف عن إنقاذ الغريقين معاً ، فلا ريب في أنّه مع التساوي يجب عليه تخييراً إنقاذ أحدهما ، كما أنّه لو كان أحدهما أهمّ ، تعيّن عليه إنقاذه بالخصوص . فحينئذٍ لو احتمل أن يكون أحدهما أهمّ ، فيتعيّن إنقاذه معيّناً ، أو يكونا متساويين فيتخيّر بين إنقاذ أيّهما شاء ، فالأمر يدور بين وجوب إنقاذ المحتمل أهميّته معيّناً ، وبين وجوب إنقاذ أيّهما شاء مخيّراً . قد يقال : إنّ الحكم في هذا القسم أيضاً التعييّن ، لأنّ التزاحم وإنْ كان يوجب سقوط أحد التكليفين بامتثال الآخر ، إلّاأنّه لا يوجب سقوط الملاكين عمّا هما عليه من حدّ الإلزام ، وحيثُ أنّ المحقّق في محلّه أنّ تفويت الغرض المُلزِم بعد إحرازه قبيحٌ بحكم العقل - كمخالفة التكليف الواصل - وهذا القبح لا يرتفع إلّا بعجز المكلّف تكويناً أو تشريعاً بأمر المولى بشيءٍ ، لا يتمكّن المكلّف من الجمع بين ما فيه الملاك وذلك الشيء ، وإلّا فما لم يثبت ذلك يَحكم العقل بقبح التفويت . وأيضاً : قد مرّ في محلّه من هذا الكتاب أنّه إذا كان أحد المتزاحمين أهمّ ، فالتكليف يكون متعلّقاً به ، وصارفاً لقدرة المكلّف نحوه ، والملاك في الطرف الآخر مع كونه مُلزِماً في نفسه ، لا يكون تفويته قبيحاً بحكم العقل ، لاستناده إلى تعجيز المولى إيّاه . أمّا إذا كان كلٍّ من المتزاحمين مساوياً مع الآخر في الملاك ، فبما أنّه لا يجوز الترجيح بلا مرجّح ، فلا يصحّ التكليف بأحدهما معيّناً مطلقاً ،