السيد محمد صادق الروحاني

6

زبدة الأصول (ط الخامسة)

( 2 ) ونظراً لهذه الأهميّةِ الكبرى ، فقد اعتنى علماءُ الطائفة المُحقّة بهذا العِلم الشريف اهتماماً قلَّ نظيره ، فأشبعوه بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً حتّى بلغَ أشدَّهُ من العمقِ والقوّة ، بحيث لو تَسنّى للباحث أن يُقارنَ بين مستوى الفكر الأُصولي الشيعي ، ومستوى الفكر الأُصولي السُّني لوجدَ أنَّ المساحةَ بين الفكرين في غاية البُعد . ومن المعروف لدى مؤرِّخي هذا العلم ودارسيه ، أنَّ هذا العلم قد مرَّ بعدّة نَقَلات تطوّريّة ساهمت في تقدمه السّريع ، ولعلّ من أهمّها النقلة النوعيّة التي أحدثها عملاقُ الفكر الأُصولي الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره ، فإنّ علم الأصول - سيّما في أبحاث الأصول العمليّة - قد نَضَجَ على يديه ، وبلغَ ذروته في العمق والدقّة . وقد امتدّت مدرسته الاصوليّة - بكلِّ ما تحمله من ملامح القوّة - على يد أحد عباقرتها ، ألا وهو المحقّق الأُصولي الكبير الشيخ الآخوند الخراساني قدس سره صاحب الكتاب الحوزوي الشهير « كفاية الأصول » ، والذي كانت له لمسات واضحة جدّاً في بلورة الفكر الأُصولي وتشيّيد معالمه ، سيّما فيما يرتبط بمباحث الألفاظ . وقد بقيت من بعده هذه المدرسة شامخةَ الملامح والخصائص علىأيدي مَنْ عرفتهم الحوزات العلميّة ب ( المحقّقين الثلاثة ) وهم : المحقّق الميرزا محمّد حسين النائيني ، والمحقّق الشيخ محمّد حسين الأصفهاني ، والمحقّق الشيخ آقا ضياء الدِّين العراقي قدس سرهم . بل لعلَّ الباحث لا يُجانب الصَّواب فيما لو ادّعى أنَّ كلّ واحدٍ من هؤلاء الأعلام قد استطاع أن يُشكِّل مدرسةً قائمةً بذاتها ، فإنَّ مدرسة المحقّق الأصفهاني ذات منحى فلسفي واضح ، قد سيطرَ عليها تفكير صاحبها الفلسفي سيطرةً تامّة ، بينما مدرسة المحقّق العراقي مدرسةٌ فكريّةٌ محضة ، فهوَ وإن لم يُخضِع علمَ الأصول لأيِّ علمٍ آخر ، إلّاأنّه قد أعملَ فيه منتهى جهده الفكري الخلّاق بعيداً عن المتفاهمات العرفيّة ، ممّا جعل مدرسته الاصوليّة لا تقلّ تعقيداً عن سابقتها ، وبين هاتين المدرستين جاءت مدرسة المحقّق النائيني قدس سره مزيجاً