الشيخ محمد القائني
28
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية)
وقد يكون هذا الإشكال صياغة أخرى لما تقدّم من الإشكال ، ويردّه ما أوردناه سابقاً ويكون ما أوردناه هنا من الإشكال زائداً على ما تقدّم . وكيف كان ، فيردّه : أنّ الإشكال ناشئ من الخلط بين العلّية وبين العلّية المنحصرة ؛ والمدّعى هو الأوّل ، بينما أنّ المتوهّم هو الثاني . بيان ذلك : أنّ مقتضى تعليل العدّة بحفظ الأنساب هو ثبوتها حينما يلزم من عدمها محذور اختلاط النسب ؛ بل مقتضاه وجوب حفظ النسب من الاشتباه ولو بغير العدّة ، كتحريم نسبة الناس إلى غير آبائهم وامّهاتهم إذا توقّف عليه حفظ النسب ؛ فإنّ المتفاهم من هذا التعليل كون اختلاط النسب ملاكاً تامّاً للحكم ، وكونه مبغوضاً للشارع بحيث يجب التوقّي عنه بكلّ ما يوجبه ؛ ولا يلزم من هذا كون علّة العدّة منحصرة في ذلك ؛ بل لا ينافي هذه العلّة وجود علّة أخرى لتشريع العدّة بحيث لو غضّ عن العلّة السابقة استقلّت هذه بالتأثير ، فتكون كلّ من العلّتين ملاكاً تامّاً للحكم وعلّة تامّة له ؛ ولذا ثبت وجوب العدّة مع الأمن من اختلاط النسب في الوفاة . وعليه فوجود علّة أخرى للعدّة تقتضي ثبوت العدّة حتّى مع انتفاء العلّة الأولى ، لا يمنع من علّية الأولى ولا من استقلالها بالتأثير حيث وجدت ولا ينافيه . نعم ، هو مانع من انحصار العلّة وهذا غير المنافاة لأصل العلّية . وعليه فالمتفاهم من تعليل حكم بشيء هو ثبوت الحكم بثبوت تلك العلّة ، وأمّا انتفاؤه بانتفائها فلا ؛ وذلك فإنّه يشترط في انتفاء الحكم انتفاء كلّ علله وعدم نيابة علّة مناب غيرها ؛ وهذا لا يتحقّق بمجرّد انتفاء علّة واحدة . ولا بأس بتوارد علل متعدّدة على معلول واحد في الأمور الاعتبارية كما اتّضح في محلّه . وقياس المقام على الأمور الحقيقيّة التي يمتنع فيها توارد أكثر من علّة واحدة على معلول وتأثيره فيه ، مردود . نعم ، يمكن أن يقال : إنّ ظاهر تعليل الحكم بشيء هو انحصار علّته في ذلك ،