محمد حسين الحسيني الجلالي
16
فهرس التراث
يقرؤا القرآن الناطق بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى ) * ( 1 ) وكأن جهلهم بمقام النبيّ الأعظم دعاهم إلى هذا التجاسر . ولو كانوا مؤمنين مخلصين لسألوا النبيّ صلَّى الله عليه وآله عن ذلك كما سأل هذا السائل . وأما ما رواه مسلم بن الحجاج النيسابوري ( ت / 261 ه ) في جامعه ، عن الرسول صلَّى الله عليه وآله قال : « لا يكتب عنّي ، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه » ( 2 ) ، فأوجه ما يقال في ذلك : إن النهي صدر حين نزول الوحي لئلا يختلط القرآن بالحديث ، وهذا مورد خاص فلا يكون نهيا عامّا من النبي صلَّى الله عليه وآله مع الأمن من الاختلاط ، وخاصّة بعد وفاته صلَّى الله عليه وآله ، فكيف يجوز بعد وفاته المنع من كتابة الحديث ؟ مع أنّ دعوى اختلاط القرآن بالحديث غير معقول ، لأن النص القرآني كان معروفا في عصر النبيّ صلَّى الله عليه وآله نفسه ، وقصة إسلام عمر بن الخطاب لسماعه بعض الآيات من سورة طه معروفة ، فكيف يتوهّم الخلط بين القرآن والحديث ، ولكلّ منهما أسلوبه الخاص به ؟ ثمّ كيف يمكن الاستغناء عن الحديث النبوي الشريف ، مع أن القرآن يحتاج إلى تفسير معانيه ؟ وليس أقرب إلى القرآن ومعانيه أحد من رسول الله صلَّى الله عليه وآله الذي نزل عليه القرآن ، ويؤيّد ذلك رواية ابن حصين ، فقد روى الخطيب البغدادي ( ت / 463 ه ) بإسناده : أن عمران بن حصين كان جالسا ومعه أصحابه ، فقال رجل من القوم : « لا تحدّثونا إلَّا بالقرآن » ، فقال له : ادن . فدنا ، فقال : « أرأيت إن وكَّلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعا ، وصلاة العصر أربعا ، والمغرب ثلاثا ؟ أرأيت إن وكَّلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعا ، والطواف بالصفا والمروة ؟ » . ثمّ قال : « أي قوم ، خذوا عنّا فإنّكم والله إن لم تفعلوا لتضلَّن » ( 3 ) . والتاريخ يشهد أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله أرسل بكتب ورسائل إلى ملوك عصره ، وعقد عهودا ومواثيق ليست من النّص القرآني بشيء ، وكان كل ذلك بأمره وبمرأى منه ومسمع كما هو مذكور في كتب السير . فلا يبقى مجال للشك بأن دور الإسلام في الاهتمام بالكتابة كان
--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية : 3 . ( 2 ) صحيح مسلم 8 : 229 . ( 3 ) الكفاية : 31 ، الطبعة الثانية ، سنة 1406 ه .