الشيخ فاضل اللنكراني
11
رسائل في الفقه والأصول
وفي هذه الكلمات دلالة على لزوم اختيار الصدق وإن كان مضرّاً ، ودلالة على أنّ الأمير لم يخف وهو منفرد عن حرب الأعداء وهم جموع ، ثمّ قال بعد هذه العبارات : كيف يفسّرون قوله - تعالى - : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَلكُمْ ) بأكثركم تقيّة « 1 » ؟ وفيه أوّلًا : أنّ التقيّة ليست بكذب ، ولا يصدق عليها تعريف الكذب ؛ لأنّ من مقوّمات الكذب : هي المخالفة للواقع ، والتقيّة ليست كذلك ؛ لأنّها مع تحقّق شرائطها تكون مأموراً بها بالأمر الاضطراري ؛ وهو أمر واقعيّ ثانويّ ، فالعمل على طبق التقيّة عمل بالحكم الواقعي الثانوي ، وإلّا يلزم أن يكون جميع الموارد الاضطراري موجباً للكذب . وثانياً : أنّ الكذب من مقولة الخبر ، والتقيّة ليست بخبر ، اللّهمّ إلّافي التقيّة في الأقوال ، فتأمّل . وثالثاً : سلّمنا كونها من مصاديق الكذب ، لكنّ المراد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام : هو الضرر الذي لم يبلغ حدّ القتل ، ولا يكون هتكاً للعرض ، فلو كان الكذب موجباً لحفظ النفس ؛ فبما أنّ حفظها أهمّ من قبح الكذب فيرجّح عليه ، ومسألة الأهمّ والمهمّ وترجيحه عليه من القواعد العقليّة العقلائيّة التي لا يعتريها ريب . ورابعاً : أنّ المراد من الأتقى في الآية الشريفة : هي التقيّة من اللَّه - تبارك وتعالى - التي يعبّر عنها في الشريعة بالتقوى التي حثّ عليها الكتاب والسُنّة ، وسيأتي « 2 » أنّها خارجة عن بحث التقيّة المبحوث عنها في الفقه . الأمر الثالث : الاستدلال ببعض الروايات التي تدلّ على عدم جواز التقيّة في
--> ( 1 ) روح المعاني 3 : 164 . ( 2 ) في ص 19 و 22 .