محمد حسين يوسفى گنابادى

192

أصول الشيعه لإستنباط أحكام الشريعة

يكذّبه الوجدان ، لوضوح وجود احتمال مخالفة الطريق للواقع في أنفسهم ، ومع ذلك يعتمدون عليها في إثبات مقاصدهم ، لمكان أنّ الطرق عندهم من حيث الإتقان والاستحكام كالأسباب المفيدة للعلم ، وليس عند العقلاء جعل وتعبّد وتشريع ، حتّى يقال : إنّ المجعول عندهم ما يكون منشأً لانتزاع هذا الاعتبار والحجّيّة ، بل نفس الحجّيّة والوسطيّة في الإثبات أمرٌ عقلائي قابل بنفسه للاعتبار من دون أن يكون هناك ما يكون منشأً للانتزاع من حكم تكليفي . فالأقوى أنّ الحجّيّة والوسطيّة في الإثبات بنفسها ممّا تنالها يد الجعل بتتميم كشفها ، فإنّه لابدّ في الأمارة من أن يكون لها جهة كشف عن الواقع كشفاً ناقصاً ، فللشارع تتميم كشفها ولو إمضاءً بإلغاء احتمال الخلاف في عالم التشريع ، كما ألغى احتمال الخلاف في العلم في عالم التكوين ، فكأنّ الشارع أوجد في عالم التشريع فرداً من العلم ، وجعل الطريق محرزاً للواقع كالعلم بتتميم نقص كشفه وإحرازه ، ولذا قامت الطرق والأمارات مقام العلم المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة ، كما تقدّم تفصيله . وإذ قد عرفت حقيقة المجعول في باب الطرق والأمارات وأنّ المجعول فيها نفس الوسطيّة في الإثبات ، ظهر لك : أنّه ليس في باب الطرق والأمارات حكم حتّى ينافي الواقعي ليقع في إشكال التضادّ أو التصويب ، بل ليس حال الأمارة المخالفة إلّاكحال العلم المخالف ، فلا يكون في البين إلّاالحكم الواقعي فقط مطلقاً ، أصاب الطريق الواقع أو أخطأ ، فإنّه عند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي ، كالعلم الموافق ، ويوجب تنجيز الواقع وصحّة المؤاخذة عليه ، وعند الخطأ وعدم الإصابة يوجب المعذوريّة وعدم صحّة المؤاخذة عليه ، كالعلم المخالف ، من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول « 1 » .

--> ( 1 ) فوائد الأصول 3 : 105 .