عبد العزيز كعكي

391

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

الهجمات المتكررة والمتواصلة التي تعرض لها طيلة هذه المدة فتهدمت بعض أجزائه وتساقط كثير من أركانه وأبراجه ، وصار غير قادر على حماية المدينة ومن بداخلها ، ممّا دفع عضد الدولة بن بويه المكنى بأبي شجاع وزير الطائع لله على القيام بإعادة إعمار السور وبنائه من جديد ، وتشير الروايات إلى أن هذه العمارة قد كانت في الفترة بين عامي ( 367 - 372 ه / 977 - 982 م ) . كما يشير بعض المؤرخين أن من الأسباب التي دفعت عضد الدولة أبا شجاع على القيام بهذه العمارة هو الخوف من استيلاء الدولة الفاطمية على المدينة « 1 » وخاصة بعد أن أصبحت مسرحا لتلك الهجمات المتكررة من أبناء البادية نتيجة لتهدم السور وخراب أجزاء منه . وكانت عمارة عضد الدولة لهذا السور عمارة جديدة بكاملها فلم يعتمد على إبقاء أي جزء من أجزاء السور الأول « سور إسحاق بن محمد الجعدي » . وأعتقد أن موقع ومسار هذا السور لا يختلف كثيرا عن السور السابق له ، لأن المدينة المنورة لم تشهد زيادة مشهودة لا في عدد السكان ولا المساكن نتيجة تقوقع المدينة على نفسها في تلك الفترة ، وهذا ما جعل بعض المؤرخين يعتبرون عمارة عضد الدولة ابن بويه أول عمارة لسور المدينة بعد الستين والثلاثمائة ، وهذا ما طالعنا به الإمام السمهودي عن المجد عن المطري عن ابن خلكان بقوله : ( وأول من بنى بالمدينة الشريفة سورا بعد خراب أطرافها عضد الدولة بن بويه بعد الستين والثلاثمائة في خلافة الطائع لله بن المطيع لله ) « 2 » . والطائع لله هو « عبد الكريم بن الفضل المطيع » أحد خلفاء الدولة العباسية كان قد حكم في الفترة بين عامي ( 363 - 381 ه / 973 - 991 م ) وذلك عند تنازل والده له عن الخلافة عام 363 ه / 973 م وكان عمره آنذاك 43 ثلاثة وأربعون عاما « 3 » . أما عن وصف هذه العمارة فلم يردنا الشيء الكثير عن تفاصيلها سوى ما ذكره بعض المؤرخين وتناقله الرحالة في هذه الفترة ، ومن خلال ما سبق أن أشرنا إليه من أقوال أولئك المؤرخين والرحالة ، يمكن أن نصور هذه العمارة على أنها أول عمارة لسور المدينة ظهرت بشكل متجانس مع النسيج العمراني ، الذي كان قائما آنذاك ، فتم اختيار مواقع أبواب هذا السور على مداخل ومخارج النسيج العمراني مما ساعد على تأكيد الوظائف الحضرية لتلك الطرق والمحاور الرئيسية للمدينة ، والتي أصبحت فيما بعد مواقع ثابتة تم الإبقاء عليها وعلى

--> ( 1 ) د . صالح لمعي في كتابه « المدينة المنورة تطورها العمراني » - ص 15 ( وهذا السبب الذي ذكره لبناء السور ولم أجده لغيره وهو بعيد ) . ( 2 ) « خلاصة الوفاء » - السيد السمهودي - ص 359 . ( 3 ) « التاريخ الإسلامي » / « الدولة العباسية » - محمود شاكر - ج 6 ص 171 .