عبد العزيز كعكي

320

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

أن المدينة أقل من نصف مكة يحيط بأكثرها بساتين ونخيل وقرى ، ولها مزارع قليلة ومياه عذبة ، والأسواق عند الجامع لها نور وبهاء ، بنيانهم مدن مليحة قليلة الأهل والمسجد في ثلثيها مما يلي بقيع الغرقد ، والمدينة هائلة الأبواب ولها أربعة أبواب : باب البقيع ويقع في السور الشرقي ويعرف قديما بباب البلد ، باب الثنية ويرجح بأنه الباب المؤدي إلى ثنية الوداع ويقع في السور الشمالي ولعله الذي بني بعد ذلك وعرف بباب الشامي الكبير أو الباب الأوسط الشامي والمؤديان إلى ثنية الوداع ، وباب جهينة ويعتقد بأنه كان في السور الغربي ويؤدي إلى مسجد جهينة وبلى ومنازلهم الموجودة في جبل سلع من الجهة الجنوبية الشرقية وسمي باسم المنطقة التي يؤدي إليها ، وباب الخندق « 1 » ويرجح أنه في السور الشمالي ويعتقد بأنه في موقع قريب من جبل سلع ، ويؤدي إلى منطقة الخندق والمساجد السبعة . ويلاحظ أن عمارة هذا السور هي أول عمارة ظهرت متجانسة مع النسيج العمراني ، فتم اختيار أبواب هذا السور على مداخل ومخارج النسيج فأقيمت على محاور الأزقة والطرقات الرئيسية ، والتي أصبحت فيما بعد مواقع ثابتة لهذه الأبواب تم الإبقاء على مواقعها في العمارات والتجديدات اللاحقة لها والتي استمرت لأكثر من ألف سنة . ثم ظل هذا السور الذي بناه عضد الدولة بن بويه في الفترة بين عامي ( 367 - 372 ه / 977 - 982 م ) قائما يدفع عن المدينة المنورة وأهلها كل غزو وهجوم خارجي ، فعم الأمن وانتشرت الطمأنينة بين أبناء المدينة وسكانها ، وظل هكذا لمدة حوالي مئتي سنة تقريبا ، حيث احتاج هذا السور بعد ذلك إلى بعض الترميم والإصلاح ، فقام جمال الدين محمد بن أبي منصور المعروف بالجواد الأصفهاني عام ( 540 ه / 1145 - 1146 م ) بترميم السور السابق وتجديد عمارته التي أسسها وبناها عضد الدولة أبو شجاع ، إضافة إلى قيامه ببناء سور عظيم ومحكم حول المسجد النبوي الشريف . وبعد مضي حوالي ثماني عشرة سنة من تجديد السور على يد جمال الدين الأصفهاني قام نور الدين محمود بن زنكي بإجراء عمارة كبيرة لإنشاء وتشييد سور آخر للمدينة المنورة ، عرف فيما بعد بالسور الخارجي أو السور البراني ، فعندما تزايد أعداد سكان المدينة سنة بعد سنة أجبروا على السكنى خارج السور القديم الذي عرف بعد ذلك بالسور الجواني فتعرضوا للنهب والسلب والغزو والهجوم من خارج المدينة ، وقد صادف ذلك وصول الملك العادل نور الدين

--> ( 1 ) « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » - ج 3 ص 80 ، 81 .