عبد العزيز كعكي
318
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
أول سور يقام حول المدينة المنورة منذ نشأتها ، وهذا لا ينافي وجود محاولة بناء الأسوار قبل ذلك حيث تميزت تلك الأسوار بأنها أسوار محدودة وصغيرة تقام في بعض أجزاء المدينة ، أشهرها محاولة عبد الله بن الزبير الذي أقام خندقا وسورا « 1 » بالجهة الشمالية للمدينة المنورة وذلك في فترة ثورة أهل المدينة ضد الحكم الأموي عام ( 62 ه / 681 م ) بقيادة عبد الله بن الزبير لمنع الأمويين بقيادة مسلم ابن عقبة من الدخول إلى المدينة والقضاء على الثورة . وإذا اعتبرنا هذه المحاولة هي أول محاولة لحماية المدينة باستخدام الأسوار فهذا معناه أن محاولة إقامة الأسوار كانت موجودة قبل سور إسحاق بن محمد بأكثر من 200 مئتي سنة ، وقد تميز سور عبد الله بن الزبير بأنه سور صغير أقيم على الجانب الداخلي للخندق لزيادة كفاءته وصعوبة اجتيازه والدخول إلى المدينة من خلاله ، وهو سور صغير مؤقت بني من الطوب اللبن ولم يلبث إلا فترة قصيرة حتى تساقطت أجزاؤه وتهدمت أركانه وسقط معظم ركامه داخل الخندق . وهذا ما جعل معظم المؤرخين يعتبرون سور إسحاق بن محمد الجعدي ( عام 263 ه / 876 - 877 م ) أول سور يقام بمعناه الحقيقي ، حيث أحاط المدينة من جميع جهاتها فوفر للمدينة الحماية الدائمة والثابتة من أي اعتداء أو غزو خارجي . وقد استمر سور إسحاق بن محمد قائما لأكثر من مئة عام حتى تعرض لهجمات الأعراب وغزو البادية فتهدمت معظم أجزائه وتساقطت كثير من أركانه فأصبح غير قادر على أداء الوظيفة التي أنشىء من أجلها وظل هكذا حتى عام ( 367 ه / 977 م ) . وفي الفترة بين عامي ( 367 - 372 ه / 977 - 982 م ) قام عضد الدولة بن بويه المكنى بأبي شجاع وزير الطائع لله ، بإعادة إعمار السور وبنائه من الحجر ، من أساسه . وكانت عمارة عضد الدولة لهذا السور عمارة جديدة بكاملها فلم يعتمد على أي جزء أو أساس للعمارة السابقة للسور ، مما حدا ببعض المؤرخين إلى اعتبار السور الذي بناه عضد الدولة بن بويه أول سور بني حول المدينة المنورة بعد الستين والثلاثمائة ، وهذا ما طالعنا به الإمام السمهودي في « الخلاصة » عن المجد عن المطري عن ابن خلكان بقوله : ( وأول من بنى بالمدينة الشريفة سورا بعد خراب أطرافها عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاثمائة في خلافة
--> ( 1 ) « تاريخ العرب » - فيليب حتى - ص 251 ، 252 .