عبد العزيز كعكي
68
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
لقد حاصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم هؤلاء اليهود حتى يئسوا من صدق وعد المنافقين لهم ؛ فقذف الله في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، فلا المؤمنون يتوقعون خروجهم من حصونهم وآطامهم ولا اليهود يتخيلون أنهم سيخرجون من حصونهم وآطامهم المنيعة دون قتال ، فقد كان لهم من القوة والمنعة ما يضمن لهم الحماية والأمان . وقد كان لخروج اليهود من آطامهم وحصونهم أثر بالغ في أفراد المجتمع الإسلامي ؛ فقد لمسوا الرعب في وجوههم ، وشاهدوا على وجوههم الوجل والخوف وهم يخرجون من حصونهم المنيعة ، فما كان انتقامهم إلا أن سلطهم الله تعالى على حصونهم وآطامهم يخربونها بأيديهم ، ويمكنون المؤمنين من خرابها ، فحملوا أبواب آطامهم وحصونهم ، وما طاب لهم من أخشاب أسقفها . قال د . أكرم ضياء العمري : ( وقد صح أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حاصرهم بالكتائب وقال لهم : « إنكم لا تؤمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه » ، فأبوا أن يعطوه عهدا فقاتلهم يومهم ذلك ، هو والمسلمون ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب ، وترك بني النضير ، ودعاهم إلى أن يعاهدوه ، فعاهدوه فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة « 1 » ، فجاءت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم فكانوا يخربون بيوتهم « 2 » فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها ) « 3 » . ثم انكمشت الآطام والحصون الحربية والدفاعية بعد غزوتي الخندق وبني قريظة ، ولم نكد نسمع عنها إلا القليل . ولكنها ظلت ولم تفقد مظهرها العمراني « 4 » حتى أخذ الإهمال يدب إليها ، ويعزو الجاحظ خرابها إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضى اللّه عنه . قال الجاحظ عند حديثه عن ( طمس الملوك والأمراء آثار من سبقهم ) ما نصه : « والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر . لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم ، وأن يميتوا ذكر أعدائهم . فقد هدموا
--> ( 1 ) « الحلقة : السلاح » . ( 2 ) « المصنف » - لعبد الرزاق - ج 5 ص 358 ، 361 / السنن - لأبي داوود - ج 3 ص 404 ، 407 / دلائل النبوة - البيهقي - ج 3 ص 446 ، 448 / فتح الباري ج 7 ص 331 . ( 3 ) « المجتمع المدني في عهد النبوة » - د . أكرم ضياء العمري - ص 148 . ( 4 ) « أطوم المدينة المنورة ( بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود ) » - الأستاذ عبيد مدني - ص 225 .