عبد العزيز كعكي

41

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

أصحاب زرع ونخل وليس للرجل منهم إلا الأجر الذي يأخذه ) . ثم بدأ الأوس والخزرج بعد ذلك في إقامة مزارع محدودة وصغيرة في أول الأمر في الأراضي الجرداء ، وما لبثت أن اتسعت هذه المزارع ، وصار فيها شيء من النخل وكانت أعدادهم تتزايد مع الهجرات الخارجية المستمرة من اليمن ، وأخذ القدماء يستضيفون الجدد ويستفيدون منهم في توسعة مزارعهم . ومع تزايد أعداد الأوس والخزرج واتساع مزارعهم بدأ وضعهم الاقتصادي يتحسن ، فيبيعون ويشترون حتى تكاثروا وأثروا واستوطن الأوس والخزرج وعقدوا مع جيرانهم من اليهود عقود حلف وجوار وعدم اعتداء « 1 » . ثم اتسعت الرقعة الزراعية التي ملكها الأوس والخزرج ، فبدؤا يتركون العمل مع اليهود ولجأوا للعمل لدى بني جنسهم من العرب ، فخاف اليهود غلبتهم وسيطرتهم على المدينة ، فنكثوا العهود وبدؤوا في التخطيط لإيقاع الفتن والمشاكل بينهم ، لتفريق كلمتهم ، وتفتيت شملهم ، خشية أن يكوّنوا في يوم من الأيام قوة تنافسهم وتستلم زمام السيادة والرياسة من أيديهم ، فكانوا السبب في إيقاع الحروب بين الأوس والخزرج ، والتي بدأت بحرب « سمير » وانتهت بحرب « بعاث » قبل الهجرة النبوية الشريفة بخمس سنوات ، وما بين هذين الحربين حدثت أكثر من عشرة حروب كان لليهود الدور البارز في إشعالها . وقد كانت قصة القضاء على اليهود قد بدأت بقيام أبي جديلة من الشام ، ولحقه تبع الأصغر ابن حسان من اليمن لمساعدته في القضاء على اليهود في المدينة ، وتروي لنا كتب التاريخ الكثير عن هذه القصة وكيف تم القضاء على زعماء وسادات وكبراء اليهود في المدينة ، والتي تمثلت في استدراجهم خارج المدينة بحجة دعوتهم للحصول على هدايا الملك وأعد لهم الطعام فأدخلهم داخل الخيام وقضى عليهم . وبهذه الحادثة نعم الأوس والخزرج بقبائلهم المتعددة في المقام واتخذ بعضهم السكن في وادي « بطحان » و « الحرة الغربية » ، وسكن البعض الآخر في « الحرة الشرقية » وعمروها ، وصارت لهم فيها آطام كثيرة وأشهرها « أطم » وأقم الذي قال فيه شاعرهم : نحن بنينا واقما بالحرة * بلازب الطين وبالأصرة « 2 » وظلت اليهود بعد تلك الحادثة أقلية يائسة تنتقل من مكان إلى مكان داخل يثرب للبحث عن الأمن والأمان وحماية أنفسهم من العرب حتى تم جلاؤهم

--> ( 1 ) « المدينة المنورة في التاريخ » - السيد عبد السلام حافظ - ص 29 . ( 2 ) « المدينة المنورة في التاريخ » - السيد عبد السلام حافظ - ص 30 .