عبد العزيز كعكي

35

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

« والمعروفة اليوم بالحرة الغربية » ، وتشير دراسات التاريخ إلى أن حرة وأقم كانت أكثر حضارة وعمرانا من حرة الوبرة حيث كان يسكنها بعض قبائل اليهود من بني قريظة والنضير ، كما سكنتها قبائل الأوس ولا تزال آثارهم باقية ، ويطلق على هذه الحرتين اسم « اللابتين » وهي المقصودة بتحريمه صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : ( إني احرم ما بين لابتي المدينة ، أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها ) « 1 » . وهي حرات وعرة جدا سوداء اللون حيث الحمم البركانية الناتجة من الصهيرة الباطنية للقشرة الأرضية ، وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بحادثة نار الحرة كما في الحديث المروي في الصحيحين بقوله : ( لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز ) ، وفي لفظ البخاري : ( تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصري ) . وقد ظهرت زلازل متتابعة قبل ظهور تلك النار حيث كانت أول تلك الزلازل في أواخر شهر جماد الأول وبداية جماد الثانية في سنة 654 ه / 1256 م ، « 2 » وقد كانت خفيفة لم يدركها الناس ثم اشتدت هذه الزلازل في يوم الثلاثاء واشترك في إدراكها العام والخاص وزادت قوتها وعظمتها ليلة الأربعاء في الثلث الأخير من الليل واستمرت إلى يوم الجمعة ، لها دوي عظيم وصوت مثل الرعد حتى وصلت عدد هزاتها في اليوم الواحد عشر مرات ، وفي رواية أربعة عشر مرة حتى اضطرب من قوة إهتزازها منبر المسجد النبوي الشريف وقناديل الحرم ، وسمعت أصوات اضطراب سقف المسجد ، حتى إذا كان يوم الجمعة السادس من شهر جماد الآخر لعام 654 ه / 1256 م وفي منتصف النهار ظهرت تلك النار في واد يقال له « وادي الأحيلين » وهو وادي شرقي المدينة . ويقال إن هذه النار ظهرت في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في موضع يقال له فارع على قرب من مساكن يهود بني قريظة وفي نطاق يقال له أحيلين ، قال الدكتور ملا خاطر فيما نقله عن القسطلاني رحمه اللّه تعالى في وصف هذه النار : ( إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان وظهر من القلاع ، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة ، وجملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة ، ودام على ذلك لهبها من تأثر له النيران ، وصار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة ، ولونها من تصاعد الإلتهاب يعتريه حمرة ، والقمر كأنه كسف من اضمحلال نوره ) « 3 » .

--> ( 1 ) « صحيح الإمام مسلم ، كتاب الحج - باب فضل المدينة » حديث رقم 459 . ( 2 ) « وفاء الوفاء » - السيد السمهودي - ( 1 / 140 ، 145 ) / « البداية والنهاية » - ابن كثير - ( 13 / 187 ، 192 ) / « آثار المدينة المنورة » - الأستاذ عبد القدوس الأنصاري - ( ص 211 ) / « فضائل المدينة المنورة » - د . خليل ملاخاطر - ( 1 / 253 ، 261 ) . ( 3 ) « فضائل المدينة المنورة » - د . خليل ملاخاطر - ( 1 / 253 ، 261 ) .