عبد العزيز كعكي

117

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

وقد ظلت المدينة محافظة على هيكلها العمراني دون تغيرات تذكر فيما عدا تذبذب واضح في أعداد السكان ، فنجد أن سكان المدينة قد قل عددهم عام 62 ه / 681 م نتيجة للحروب التي قام بها عبد اللّه بن الزبير وبعض أهل المدينة ضد الحكم الأموي عام 62 ه / 681 م حيث أقام عبد اللّه بن الزبير خندقا وسورا « 1 » للمدينة من الجهة الشمالية بقصد منع الجنود الأمويين من الدخول إلى المدينة بقيادة مسلم بن عقبة . ويعتبر حفر هذا الخندق هو ثاني محاولة لحماية المدينة وسكانها بعد حفر الخندق الأول في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أقام أهل المدينة سورا من اللبن يحيط بالخندق من الداخل لتكون الحماية قوية ويصعب عندئذ الوصول إلى المدينة من خلاله ، وقسم أهل المدينة أنفسهم حوله فكان لقريش قسم وللأنصار قسم وللموالي قسم ، وأحاط جند الشام بالمدينة من كل جانب فلم يجدوا مدخلا ، والناس قد قاموا على الخندق يرمون بالنبل والحجارة . وبقي مسلم بن عقبة في حرة وأقم « الحرة الشرقية » نظرا لعجزه عن دخول المدينة المحصنة حتى استشار مروان بن الحكم الذي خرج إلى بني حارثة فكلم رجلا منهم ورغبه في الصنيعة وقال له : تفتح لنا طريقا فأكتب بذلك إلى يزيد فيصل أرحامكم ففتح لهم طريقا ودخل الجند المدينة فترك أهل المدينة أماكنهم ودخلوا المدينة خوفا على أهلهم وتجمع الباقون في المكان الذي يدخل منه الجند ودارت معركة قوية بين الطرفين قتل فيها خلق كثير من أهل المدينة « 2 » . وقد كان السبب الرئيسي في غضب أهل المدينة على بني أمية هو تولي اليزيد بن معاوية للخلافة ، ورفض أهل المدينة هذه الخلافة وهذه البيعة لأنهم يرون أن في ترشيح اليزيد للخلافة والذي حصل عليه من والده معاوية بن أبي سفيان لم يكن من الإسلام ، وأن ولاية العهد هي ترشيح لمنصب ولا يمكن أن تكون البيعة لاثنين في وقت واحد ، الخليفة وولي عهده وأن تخضع إلى بيعة جديدة لمن رشحه الخليفة السابق أو رفض هذه البيعة وتعهد بها لغيره ، حيث أن الترشيح الأول قد حصل عليه بالإكراه والضغط بصفة المنصب الذي يحتله من أعطى الترشيح وجعله وليا للعهد « 3 » مما زاد غضب اليزيد وأرسل إلى واليه في المدينة لأخذ البيعة له بالقوة لما يراه من أهمية كبيرة في تأييد أهل المدينة لبيعته فأرسل إليهم اليزيد مسلم بن عقبة بجيشه وحصلت المعركة المذكورة سابقا والتي تسمى بمعركة الحرة .

--> ( 1 ) « المدينة المنورة ، تطورها العمراني وتراثها المعماري » - د . صالح لمعي - ( ص 13 ) . ( 2 ) « العصر الأموي » - ( ص 132 ) / « دراسات حول المدينة » - ( ص 7 ) . ( 3 ) « التاريخ الإسلامي ، الخلفاء الراشدين » - العهد الأموي - ( 2 / 128 ) .