عبد العزيز كعكي

21

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

لأستحث به شباب العلم والعمل بأن لا تكون غايتهم من الشهادات وسيلة العيش فحسب ، ولكن ليكن عندهم الشعور بوجوب أداء ضريبة ما وهبهم الله من نعمة العلم ، فالشهادة لا تعني العلم ، ولكنها تعني التملك لمفتاح العلم والبحث العلمي . صاحب هذا الكتاب هو المهندس الشاب عبد العزيز عبد الرحمن كعكي ، أحبّ تخصصه ، فاستثمر هذا الحب في خدمة من أحب وما يحب ، في خدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من خلال خدمة بلده وأهل بلده ممثلا في هذا الكتاب بعنوان « معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ » ، وهذا العنوان لا يطرق موضوعه ولا يكتب فيه إلا من كان متخصصا في بابه مثل كاتبنا المذكور . لقد قسم المؤلف كتابه إلى أجزاء تسعة ، وكنت أرجو أن يكون أكثر من ذلك ، مع علمي أن الكثيرين سيستكثرون ذلك . لقد جعل الجزء الأول خاصا بالمعالم الطبيعية « جبال - حرات - أودية » والجزء الثاني أفرده لدراسة مراحل التطور العمراني والتقدم الحضاري للمدينة المنورة ، أما الجزء الثالث فقد تحدث فيه عن الآطام والحصون والقلاع والأبراج وأسوار المدينة وبواباتها ، فيما اقتصر في الجزء الرابع على الحديث عن المساجد ، وحقّ للمساجد أن تنفرد بجزء كامل ، والخامس من الأجزاء يعالج موضوع الآبار والعيون والدور والقصور ، أما المرافق والخدمات العامة والتعليم ، فقد جعلها في الجزء السادس تحت عناوين المكتبات والمدارس والأربطة والأسبلة والحمامات والسكة الحديد ، ومن حيث الجزء السابع فهو جزء طريف خصصه للبيوت التقليدية القديمة وتقنية البناء ، أما الجزء الثامن فقد تحدث عن ملامح النسيج العمراني حيث سلط الضوء من خلاله على أحواش المدينة وحاراتها وأزقتها كما تطرق هذا الجزء من الحديث إلى خصائص النسيج العمراني ومكوناته . وفي الجزء التاسع تركز حديثه على المواضع والبقاع . وكل هذه الأجزاء يمكن أن تصور في وصفها العام النسيج العمراني للمدينة المنورة من حيث تكوينه ومراحل تطوره وتقدمه الحضاري إلى جانب الهيكل العام للمظهر الطبيعي جغرافيا وطبوغرافيا . أما من حيث أسلوبه وطريقته في الكتابة فهو يبدأ أولا عند ذكر كل معلم بتعريف عام به ثم بالتعريف اللغوي الذي يثبته من خلال نص مكتوب أو يستنبطه من كلمة في نص ، وقد يأتي بتعريف من المتأخرين من المؤرخين مشابه لتعريف متقدم فيظهر الأمر وكأنه تكرار مع أنه ليس كذلك ، ولكنه من باب زيادة التوثيق ، وهذا يؤدي أحيانا إلى التطويل ولكنه غير المخل . ثم بعد التقديم اللغوي نجده يعمد إلى استقصاء كل ما أمكن استقصاؤه عن المعلم استقصاءا تاريخيا موغلا ، يتدرج فيه عبر التاريخ وحتى الوقت الحاضر ، ويضفي عليه بعض تعليقات ، فأنت تجد شخصية الكاتب ولمساته ظاهرة عند كلامه عن كل معلم . لقد احتل اهتمام الكاتب بالنصوص الشرعية الواردة حول كثير من المعالم محلا كبيرا لدرجة أدى به إلى التكرار . فنجد أنه يذكر الحديث الواحد في أكثر من معلم ، ولكن تكون بينها رابطة ، فمثلا إذا تحدث عن حرة شوران ذكر الحديث الوارد فيها بالبركة ، وإذا تحدث عن وادي مهزور وهو أحد أودية حرة شوران يكرر ذكر الحديث ، وكذا في وادي مذينب إلى غير ذلك . وربما تعرض لبعض الأحكام الفقهية المستنبطة من بعض النصوص الواردة عن معلم من المعالم . والكاتب لم يغفل الحوادث التاريخية المتعلقة بكل معلم إن وجدت ، والذي يظهر لي أن الكاتب قام بعمل ميداني كبير ، ولكن إلى جانب ذلك ركز على عمله المكتبي في كثير من الوصف الجغرافي للمعالم الطبيعية التي تحدث عنها ، إذ أن الوصف الذي كان يذكره لجبل أو واد أو شعب من الشعاب كان مبنيا على قراءة الخرائط مكتبيا ، وهذا عمل جيد مكمل للعمل الميداني . أما منهج الكاتب في إنجاز هذا العمل فهو أدرى به ، يصفه بذاته في مقدمته كي يكون حجة له أو عليه في حالة ورود توجيهات من القراء بعد ظهور الكتاب ، وكلنا تعودنا وعودنا طلابنا على أن نفرح بكل نقد وتوجيه وإرشاد وإضافة معلومة غفلناها توجه إلينا من كل ناقد وموجه ، ونعتبرها أجمل هدية تأتينا من قرائنا . وعلى أي حال فأنا أرى أن الكتاب موسوعيّ البنية ، تطويريّ التأليف ، مرجعا للأجيال . وهذا لا يعني أنه الكمال ، فالكمال لصاحب الكمال وحده ، ولكنه سير في طريق الكمال . وأسأل الله أن يجعل هذا العمل ذاكرة تاريخية له في حياته وما بعدها ، وعملا صالحا متقبلا خالصا ، وقدوة لأمثاله من الشباب كلّا في تخصصه ، خدمة ووفاء وصدق انتماء لهذا البلد الحبيب ، والحبيب إلى كل من كان المصطفى له حبيب . سطره عبيد الله محمد أمين كردي المدينة المنورة جماد الآخرة عام 1418 ه