الشيخ علي الكوراني العاملي

11

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 )

اللغة ، لأن كل لفظ تتناول المعنى من زاويةٍ غير الآخر . فلفظ منزل مثلاً ، يلحظ النزول من سفرأو الاستقرار بعد بحث ، ولفظة بيت تلحظ المبيت ليلاً ، ولفظة مسكن تلحظ السكون والهدوء من الحركة . ولمَّا واجه اللغويون مسألة الإشتقاق رأوا أن النحويين سَمَّوْا لفظاً من العائلة مصدراً ، فقالوا إنه أصل فروع الكلمة . لكنهم اصطدموا بواقع الألفاظ الذي يخالفه ، فتركوا هذه المقولة ، ووسعوا الإشتقاق إلى الأسماء ، بل إلى الحروف ، فصار المصدر مصدراً بالمعنى النحوي وليس اللغوي . قال الزركشي في البحر المحيط « 1 / 459 » : « لا يدخل الإشتقاق في سبعة أشياء وهي : الأسماء العجمية كإسماعيل ، والأصوات ، كغاق ، والحروف وما أشبهها من المتوغلة في البناء ، نحو مَن ومَا ، والأسماء النادرة ، نحو طوبى له ، إسمٌ للنعمة . واللغات المتداخلة ، نحو الهُون للأسود والأبيض ، والأسماء الخماسية ، كسفرجل . ويدخل فيما عدا ذلك . وأثبت ابن جني الإشتقاق في الحروف » . وعندما فتحوا باب الإشتقاق حتى من الحروف كما هو الحال في اللغة الألمانية ، اتسع أمامهم باب الافتراض وهم يبحثون عن مناسبة لاشتقاق الفرع من أصله ، وكثرت اجتهاداتهم ، وأكثرها ظنونٌ وبعضها احتمال لا يصل إلى الظن . وسترى اختلافاً كثيراً بين الراغب وابن فارس ، فالراغب يميل إلى جعل الألفاظ أصلاً واحداً ، وقد يتكلف لذلك . وابن فارس أقل تعصباً ، فعندما يرى أن مفردات المادة لا يمكن إرجاعها إلى أصل واحد ، يجعلها أصلين أو أكثر . وسترى أن الحق يوافق ابن فارس غالباً . أما الخليل فلم يتبنَّ منهج الراغب ولا ابن فارس في إرجاع فروع الكلمة إلى جذر واحد ، بل اختار أن يذكرمعاني الكلمة واستعمالاتها ، وقلَّما ذكر مصدر اشتقاقها . فمن وَفْرَة عقله أنه نأى بنفسه عن التخمين والظنون ، لأن الله وحده يعلم خريطة نشوء اللغة وتكونها ، وكيف وضع الإنسان ألفاظها بإلهام ربه عبر مئات السنين ، وأي كلمة وضعها أولاً ، ثم وضع الثانية في ضوئها ، أو وضعها مستقلة ، فجاءت تُشبه الأولى في حروفها . . الخ . ونعرف قيمة منهج الخليل ( رحمه الله ) في التحفظ عن الحكم في تجذير الألفاظ ، عندما نواجه أودية الظنون التي وقع فيها علماء اللغة وعلماء الأصول ! يقول الآخوند الخراساني ( رحمه الله ) وهو قمة في مباحث الأصول اللفظية ، في كتابه الكفاية :