السيد محمد باقر الصدر
66
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
يضع الماء على النار ، لا يحتمل أنّ الماء سيبقى على حاله من عدم الغليان حتّى لو طال بقاؤه على النار ، بل يجزم بأ نّه سوف يغلي . وجزمه بغليان الماء يستوي مع جزمه بسائر المحسوسات ، من قبيل جزمه بالنار مثلًا . إذن : حصول العلم - بمعنى الجزم لا بمعنى اليقين المنطقي - يؤخذ في بحثنا بوصفه أصلًا موضوعيّاً . ولذلك ، لو أتانا من ينكر حصول الجزم لديه بأنّ النار علّة لغليان الماء ، مدّعياً أنّ ذلك مردّه إلى الصدفة ، فعندها لا يمكن للمنطق الذاتي أن يقدّم له شيئاً أو يزيل هذا الشكّ من نفسه . إلّاأ نّنا مع ذلك نعتقد بأنّ الشكّ في هذه الأمور لا يحصل لدى الناس ، وإنّما كثيرٌ منهم اصطنعوه . وعلى أيّة حال ، فالواجب علينا أن ننظر في مدى تقبّل الناس لهذه المصادرة ، أي في مدى تقبّلهم لفكرة أنّ التجربة يمكن أن تفيدنا بأنّ ( أ ) علّة ل ( ب ) . ونحن نجد أنّ هذا الأمر متسالمٌ عليه في بلادنا وفي ثقافتنا ، كما نجد أنّ الفلاسفة العقليّين التابعين لأرسطو تلقّوا هذا الأمر على نحو القبول ، حيث قالوا : إنّ التجربيّات قضايا جزميّة لا مجال للشكّ فيها ، وعدّوها ضمن اليقينيّات . وفي مقابل هذا التيّار ظهر تيّارٌ قويٌّ لا يستهان به في أوساط الفلاسفة التجريبيّين الذين آمنوا بالتجربة واعتبروها مصدر المعرفة البشريّة ، وهذا التيّار أنكر فكرة العلّيّة والسببيّة ، وقصر اعترافه بحصول الجزم على مجال التجربة الحسّيّة المباشرة فحسب ، وما يقع في حدود الحسّ المباشر هو نفس النار لا علّيّتها للإحراق . ومن هنا نجد أنّ جماعةً من التجريبيّين ذهبوا إلى أنّ المعارف الحاصلة