السيد محمد باقر الصدر
57
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
القياس لتنتج لنا نتيجة ، وهي أنّ زيداً فانٍ . وفي هذه الحالة يُقال للمنطق العقلي : إنّ العلم بفناء زيد قد حصل ونحن بصدد تشكيل الكبرى ، أي قبل أن نضع هذه الكبرى في القياس المذكور ، حيث الفرض أنّنا تتبّعنا كافّة أفراد الإنسان ومنهم زيد . وهذا هو معنى أنّ القياس عقيمٌ لا يولّد علماً ومعرفةً جديدة ، وإنّما يستبطن دوراً منطقيّاً ؛ لأنّ العلم بالأمر الجزئي ( وهو فناء زيد المطلوب إثباته في النتيجة ) كان متوقّفاً على تحقيق الكبرى ( وهي أنّ كلّ إنسان فانٍ ) ، وفي الوقت نفسه كانت الكبرى المذكورة متوقّفة - فيما تتوقّف عليه - على تحقيق الجزئي نفسه ( وهو فناء زيد ) ، وهذا دورٌ واضح . 2 - أمّا إذا فرضنا أنّ التتبّع لم يكن شاملًا لكلّ أفراد الإنسان ، فحينئذٍ لا يبقى معنى للكبرى المذكورة في قولنا : « كلّ إنسان فانٍ » ؛ إذ لعلّ بعض هذه الأفراد لا يفنى ، فتكون الكبرى جزافيّة . إلّاأنّ هذا الاعتراض على إطلاقه غير وجيه ؛ لأنّه مبنيٌّ على أنّ العلم بالكلّي لا بدّ وأن ينشأ دائماً من استقراء تمام الجزئيّات ، وقد تعرّضنا في كتاب ( فلسفتنا ) لهذه المقولة « 1 » ، وبيّنّا هناك أنّنا لو أردنا إثبات الكبرى بالتجربة ولم يكن لنا مقياس غيرها ، لكان علينا أن نفحص جميع الأقسام والأنواع لنتأكّد من صحّة الحكم ، وتكون النتيجة حينئذٍ قد درست في الكبرى بذاتها أيضاً . وفي هذه الحالة يستقرُّ الاعتراض السابق ويكون ثابتاً بلا إشكال . وأمّا إذا كانت الكبرى من المعارف العقليّة التي ندركها بلا حاجة إلى
--> ( 1 ) انظر : فلسفتنا : 99 - 100 ، نقد المذهب التجريبي ، وقد استعنّا بعض الشيء في هذين المقطعين بعبارة ( فلسفتنا ) ؛ لأنّ مضمونها متّحد مع ما في المحاضرة المدوّنة ويمتاز عنه بالوضوح