السيد محمد باقر الصدر
15
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
من الاعتراف بها ، فالمبرّر لها هو أنّ الكتاب يمثّل - كما ذكرنا - ممارسةً تدريسيّة قد خضعت لنفس الأعراف المتّبعة في مجال التدريس السائد من ناحية المنهج ولغة البحث والتوسّع في الشرح والتوضيح ، واتّجهَتْ إلى تعميق المحتوى والمضمون كلّما أتيح لها ذلك ، تاركةً تطوير المنهج ولغة البحث إلى حين تتوفّر الظروف الموضوعيّة التي يتطلّبها ذلك » « 1 » . وخيرُ ما يلخّص رؤية الإمام الشهيد الصدر قدس سره في هذا المجال ما ذكره بنفسه في إحدى محاضراته الصوتيّة ، حيث يقول : « والفقه هنا كما تعلمون تطوّر من حيث الكيف ولم يتطوّر من حيث الكمّ : تطوّر من حيث الكيف ؛ لأنّ أساليبه في الاستنباط تعمّقت وطرائقه في التفكير دقّت ، وأصبح العمق العلمي به ابّهة كبيرة ، إلّاأ نّه لم يتطوّر كمّيّاً ؛ لأنّ الفقه لا يزال يبحث ويتناول نفس المنطقة المحدّدة التي تناولها الفقه منذ ألف سنة أو منذ مئات السنين ، لا يزال الفقه يعالج تلك الحدود المغلقة لمشاكل الإنسان ، لا يزال الفقه ينظر إلى العالم بمرآة ما قبل مئات السنين ثمّ يعالج هذا العالم . نستطيع أن نقول : إنّ التطوّر في الفقه عموديٌّ وليس افقيّاً ، كيفيٌّ وليس كمّيّاً ، أي أنّه تعمّق عموديّاً ولم يتوسّع افقيّاً . وما لم يتوسّع كمّيّاً ولم ينبثق افقيّاً لا يستطيع أن يبرز الرسالة الإسلاميّة بكلّ شمولها وخصائصها وغناها وقدرتها وإمكاناتها على حلّ مشاكل اليوم ، لا يستطيع أن يبرز الإسلام في الصورة التي تجلب انتباه الامّة ، هذه الامّة السكرانة بحضارات الكفّار المستعمرين ، هذه الامّة التي اغريت بالأفكار الجاهليّة التي غزتها من كلّ صوب وحدب . إنّ هذه الامّة السكرى النشوى بهذه الأفكار الجاهليّة تحتاج إلى قوّة الجذب ، وقوّة
--> ( 1 ) بحوث في شرح العروة الوثقى 1 : 13 - 14