السيد محمد باقر الصدر
99
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
سنة من سنن التاريخ ، ولهذا يعرض الدين على شكلين : تارة يعرضه بوصفه تشريعاً ، كما يقول علم الأصول بوصفه إرادة تشريعية ، مثلًا يقول : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » « 1 » . هنا يبين الدين كتشريع ، كقرار ، كأمر من اللَّه سبحانه وتعالى ، لكن في مجال آخر يبيّنه سنة من سنن التاريخ وقانوناً داخلًا في صميم تركيب الإنسان وفطرة الإنسان . قال سبحانه وتعالى : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » « 2 » . هنا الدين لم يعد مجرّد تشريع ، مجرّد قرار من أعلى وإنّما الدين هنا فطرة للناس ، هو فطرة اللَّه التي فطر عليها الناس ولا تبديل لخلق اللَّه . هذا الكلام كلام موضوعي خبري لا تشريعي إنشائي . لا تبديل لخلق اللَّه : يعني كما أنّك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان أيّ جزء من أجزائه التي تقوِّمه ، كذلك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان دينه . الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة على مرّ التاريخ يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها ؛ لأنّها في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ولا تكون خلق اللَّه الذي لا تبديل له ، بل تكون من المكاسب التي حصل عليها الإنسان من خلال تطوراته المدنيّة والحضارية على مرّ التاريخ . القرآن يريد أن يقول بأن الدين ليس مقولة من هذه المقولات بالإمكان أخذها وبالإمكان إعطاؤها ، الدين خلق اللَّه : « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » و « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
--> ( 1 ) الشورى : 13 ( 2 ) الروم : 30