السيد محمد باقر الصدر

86

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

بُعد من ناحية الأرضية وامتداد الموج ، ما يسمّونه ب « العلّة المادية » . هذا العمل ذو الأبعاد الثلاثة هو موضوع سنن التاريخ ، هذا هو عمل المجتمع . المجتمع ليس كائناً في قبال الفرد : لكن لا ينبغي أن يوهم ذلك ما توهّمه عدد من المفكرين الفلاسفة الأوروبيين من أنّ المجتمع كائن عملاق له وجود وحدوي عضوي متميّز عن سائر الأفراد ، وكل فرد ليس إلّابمثابة الخلية في هذا العملاق الكبير . هكذا تصوّر ( هيجل ) مثلًا وجملة من الفلاسفة الأوروبيين ، تصوّروا عمل المجتمع بهذا النحو ، أرادوا أن يميّزوا بين عمل المجتمع وعمل الفرد ، فقالوا بأنه يوجد عندنا كائن عضوي واحد عملاق ، هذا الكائن الواحد هو في الحقيقة يلفّ في أحشائه كل الأفراد ، تندمج في كيانه كل الأفراد ، كل فرد يشكل خلية في هذا العملاق الواحد ، وهو يتّخذ من كل فرد نافذة على الواقع ، على العالم بقدر ما يمكن أن يجسّد في هذا الفرد من قابلياته هو ، ومن إبداعه هو . إذن كل قابلية وكل إبداع وكل فكر هو قابلية ذلك العملاق وإبداع ذلك العملاق وفكر ذلك العملاق الطاغية ، وكل فرد إنّما هو تعبير عن نافذة من النوافذ التي يعبّر عنها ذلك العملاق الهيجلي . هذا التصور اعتقد به جملة من الفلاسفة الأوروبيين تمييزاً لعمل المجتمع عن عمل الفرد ، إلّاأنّ هذا التصور ليس صحيحاً ولسنا بحاجة إليه ، إلى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة لكي ننحت هذا العملاق الأسطوري من هؤلاء الأفراد ، ليس عندنا إلّاالأفراد ، إلّازيد وبكر وخالد ، ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من ورائهم . طبعاً مناقشة ( هيجل ) من الزاوية الفلسفية يخرج عن حدود