السيد محمد باقر الصدر

75

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

المتقدمة - : هي حقيقة اختيار الإنسان وإرادة الإنسان ، وهذه الحقيقة التأكيد عليها في مجال استعراض سنن التاريخ مهم جداً ؛ إذ سوف يأتي إن شاء اللَّه تعالى بعد محاضرتين أنّ البحث في سنن التاريخ خلق وهماً ، وحاصل هذا الوهم الذي خلقه هذا البحث عند كثير من المفكرين : أنّ هناك تعارضاً وتناقضاً بين حرية الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ ، فإمّا أن نقول بأنّ للتاريخ سننه وقوانينه ، وبهذا نتنازل عن إرادة الإنسان واختياره وعن حريته ، وإمّا أن نسلّم بأنّ الإنسان كائن حرّ مريد مختار ، وبهذا يجب أن نلغي سنن التاريخ وقوانينه ونقول بأن هذه الساحة قد اعفيت من القوانين التي لم تعف منها بقية الساحات الكونية . هذا الوَهْمُ ، وهم التعارض والتناقض بين فكرة السنة التاريخية أو القانون التاريخي وبين فكرة اختيار الإنسان وحرّيته ، هذا الوهم كان من الضروري للقرآن الكريم أن يزيحه وهو يعالج هذه النقطة بالذات . ومن هنا أكد سبحانه وتعالى على أن المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنّما هو إرادة الإنسان . وسوف أتناول إن شاء اللَّه تعالى بعد محاضرتين الطريقة الفنية في كيفية التوفيق بين سنن التاريخ وإرادة الإنسان ، وكيف استطاع القرآن الكريم أن يجمع بين هذين الأمرين من خلال فحص للصيغ التي يمكن في إطارها صياغة السنة التاريخية . سوف أتكلم عن ذلك بعد محاضرتين . لكن يكفي الآن أن نستمع إلى قوله سبحانه وتعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » « 1 » . « وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » « 2 » . « وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً » « 3 » .

--> ( 1 ) الرعد : 11 ( 2 ) الجن : 16 ( 3 ) الكهف : 59