السيد محمد باقر الصدر

72

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

- التفسير الإلهي للتاريخ - يتناول الحادثة نفسها ويربط هذه الحادثة باللَّه سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث ، فهو يطرح الصلة مع اللَّه بديلًا عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث ، بديلًا عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة التاريخية والتي تمثّل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة ، بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات ، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء ، لا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الارتباط والعلاقات والأسباب والمسبّبات على هذه الساحة التاريخية ، بل إنّه يربط السنة التاريخية باللَّه ، يربط أوجه العلاقات والارتباطات باللَّه ، فهو يقرر أوّلًا ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية ، إلّا أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة اللَّه سبحانه وتعالى وحسن تقديره وبنائه التكويني للساحة التاريخية . إذا أردنا أن نستعين بمثال لتوضيح الفرق بين هذين الاتجاهين من الظواهر الطبيعية ، نستطيع أن نستخدم هذا المثال : قد يأتي إنسان فيفسّر ظاهرة المطر التي هي ظاهرة طبيعية فيقول بأنّ المطر نزل بإرادة من اللَّه سبحانه وتعالى ، ويجعل هذه الإرادة بديلًا عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر ، فكأنّ المطر حادثة لا علاقة لها ولا نسب لها ، وإنّما هي حادثة مفردة ترتبط مباشرة باللَّه سبحانه وتعالى بمعزل عن تيار الحوادث . هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر ، لكن إذا جاء شخص وقال بأنّ الظاهرة - ظاهرة المطر - لها أسبابها وعلاقاتها وأ نّها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلًا ، الماء يتبخر فيتحول إلى غاز والغاز يتصاعد سحاباً والسحاب يتحوّل بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر ، إلّا أنّ هذا التسلسل السببي المتقن ، هذه العلاقات المتشابكة بين هذه الظواهر