السيد محمد باقر الصدر
51
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر ، بعد ذلك انكسروا وخسروا المعركة في غزوة أحد ، تحدّث القرآن الكريم عن هذه الخسارة ، ماذا قال ؟ هل قال بأنّ رسالة السماء خسرت المعركة بعد أن كانت ربحت المعركة ؟ لا ؛ لأنّ رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي ، رسالة السماء لا تهزم ، ولن تهزم أبداً ، ولكن الذي يهزم هو الإنسان ، الإنسان حتى ولو كان هذا الإنسان مجسِّداً لرسالة السماء ؛ لأنّ هذا الإنسان تتحكّم فيه سنن التاريخ . ماذا قال القرآن ؟ قال : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » « 1 » . هنا أخذ يتكلّم عنهم بوصفهم اناساً ، قال : بأنّ هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ ، المسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ تفرض أن ينتصروا ، وخسروا المعركة في أحد حينما كانت الشروط الموضوعية في معركة أحد تفرض عليهم أن يخسروا المعركة . « إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » ( 2 ) . لا تتخيلوا أنّ النصر حقّ إلهي لكم ، وإنّما النصر حقّ طبيعي لكم بقدر ما يمكن أن توفّروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها اللَّه سبحانه وتعالى كونيّاً لا تشريعيّاً ، وحيث إنّكم في غزوة أحد لم تتوفّر لديكم هذه الشروط ولهذا خسرتم المعركة . فالكلام هنا كلام مع بشر ، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية ، بل يذهب القرآن إلى أكثر من ذلك ، يهدّد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنظف وأطهر جماعة على مسرح التاريخ ، يهدّدهم بأنهم إذا لم يقوموا بدورهم التاريخي ، وإذا لم يكونوا على مستوى مسؤولية رسالة السماء فإنّ هذا لا يعني أن تتعطّل رسالة
--> ( 1 ) و ( 2 ) آل عمران : 140