السيد محمد باقر الصدر

48

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

بوصفه معلّماً - بالمعنى التقليدي من المعلّم - لكي يدرّس مجموعة من المتخصصين والمثقّفين ، وإنمّا نزل هذا الكتاب عليه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، لكي يخرج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية والإسلام . إذن ، فهو كتاب هداية وتغيير ، وليس كتاب اكتشاف . ومن هنا لا نترقّب من القرآن الكريم أن يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامّة للعلوم الأخرى ، ولا نترقّب من القرآن الكريم أن يتحدّث لنا عن مبادئ الفيزياء أو الكيمياء أو النبات أو الحيوان . صحيح أنّ في القرآن الكريم إشارات إلى كلّ ذلك ، ولكنها إشارات بالحدود التي تؤكّد على البعد الإلهي للقرآن ، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل ، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق متفرّقة في الميادين العلمية المتفرّقة ، لكن هذه الإشارات القرآنية إنّما هي لأجل غرض عملي من هذا القبيل ، لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء . القرآن لم يطرح نفسه بديلًا عن قدرة الإنسان الخلّاقة ، عن مواهبه وقابلياته في مقام الكدح ، الكدح في كلّ ميادين الحياة بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة ، القرآن لم يطرح نفسه بديلًا عن هذه الميادين ، وإنّما طرح نفسه طاقة روحية موجّهة للإنسان ، مفجّرة طاقاته ، محرّكة له في المسار الصحيح . فإذا كان القرآن الكريم كتاب هداية وتوجيه وليس كتاب اكتشاف وعلم ، فليس من الطبيعي أن نترقّب منه استعراض مبادئ عامّة لأيّ واحد من هذه العلوم التي يقوم الفهم البشري بمهمّة التوغّل في اكتشاف نواميسها وقوانينها وضوابطها . لماذا ننتظر من القرآن الكريم أن يعطينا عموميات ، أن يعطينا مواقف ، أن يبلور له مفهوماً علمياً في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون ، بينما ليس