السيد محمد باقر الصدر
364
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
في الإنسان ولأنّ الإسلام لا يفهم من الحرية ايجاد منطلق للمعاني الحيوانية في الإنسان ، وإنما يفهمها بوصفها جزءاً من برنامج فكري وروحي كامل يجب أن تقوم على أساسه الإنسانية . معنى عدم الإكراه في الدين : ويسئ البعض فهم القرآن الكريم في هذه الآية « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » فيظن أنّ القرآن كفل للإنسان حرّية التدين وعدمه ، ومنع من الإكراه عليه أخذاً بمبدأ الحرّية الشخصية الذي تؤمن به الحضارات الحديثة . ولكن هذا خطأ ؛ لأنّ الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من عبودية الأصنام على أساس التوحيد لا يمكن أن يأذن للإنسان بالتنازل عن أساس حريته والانغماس في عبوديات الأرض وأصنامها ، كما أنّ الإسلام لا يعتبر عقيدة التوحيد مسألة سلوك شخصي خاص كما ترى الحضارات الغربية ، بل هي القاعدة الأساسية لكيانه الحضاري كله ، فكما لا يمكن للديمقراطية الغربية مهما آمنت بالحرية الشخصية أن تسمح للأفراد بمناوءة فكرة الحرية نفسها ، وتبنّي أفكار فاشستية دكتاتورية ، كذلك لا يمكن للإسلام أن يقرّ أيّ تمرّد على قاعدته الرئيسية . وإنما يهدف القرآن الكريم حين ينفي الإكراه في الدين إلى أنّ الرشد قد تبين من الغي ، والحق تميز عن الضلال ، فلا حاجة إلى إكراه ما دام المنار واضحاً والحجة قائمة ، والفرق بين الظلام والنور لائحاً لكل أحد ، بل لا يمكن الإكراه على الدين ؛ لأنّ الدين ليس كلمات جامدة تردّدها الشفاه ولا طقوساً تقليدية تؤدّيها العضلات ، وإنما هو عقيدة وكيان ومنهج في التفكير .