السيد محمد باقر الصدر

323

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

ومن الواضح أنّ هذا الدور العظيم لا يمكن للقرآن الكريم أن يؤديه بصورة كاملة شاملة ما لم يفهم فهماً كاملًا شاملًا ، ويصل المسلمون إلى أهدافه ومعانيه ، ويندمجون بمفاهيمه ، ومصطلحاته . وأمّا إذا ترك القرآن بدون تفسير موجّه توجيهاً رسالياً فسوف يفهم من قبل المسلمين ضمن اطاراتهم الفكرية ، وعلى المستوى الثقافي والذهني الذي كان الناس يعيشونه - وقتئذ - وتتحكم في تفسيره كلّ الرواسب ، والمسبقات الذهنية التي كانت لا تزال تتحكم في كثير من الأذهان . وهكذا نجد أنفسنا امام تناقض بين قولين لكل منهما شواهده ومعززاته ، ويحتاج هذا التناقض إلى حل . وقد لا نجد حلّاً منطقياً أقرب إلى القبول من القول : بأنّ النبي صلى الله عليه وآله فسر القرآن الكريم على مستويين : فقد كان يفسّره على ( المستوى العام ) في حدود الحاجة ، ومتطلبات الموقف الفعلي ، ولهذا لم يستوعب القرآن كله . وكان يفسّره على مستوى خاص تفسيراً شاملًا كاملًا بقصد إيجاد من يحمل تراث القرآن ، ويندمج به اندماجاً مطلقاً بالدرجة التي تتيح له أن يكون مرجعاً بعد ذلك في فهم الامّة للقرآن ، وضماناً لعدم تأ ثّر الامّة في فهمها باطارات فكرية خاصة ومسبقات ذهنية ، أو رواسب جاهلية . ونحن إذا فسرنا الموقف على هذا الضوء ، وجدنا أنّه يتفق مع طبيعة الأشياء من كلّ ناحية . فندرة ما صح عن الصحابة من الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله في التفسير مردها إلى أنّ التفسير على ( المستوى العام ) لم يكن يتناول جميع الآيات ، بل كان يقتصر على قدر الحاجة الفعلية .